موضوع عن المعاصي والذنوب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه    وبعد

مقدمة:

جميع أبناء آدم خطّائين، فهكذا خلقهم الله سجانه وتعالى، فقد خلق الله الأنبياء فقط معصومين عن الخطأ بينما باقي البشر ليسوا كذلك، ولكن لم يكن الله ظالماً للإنسان في هذا الأمر، حيث إنّه خلق بني آدم خطائين ولكن جعل في السماء باباً مفتوحاً لا يغلق وهو “باب التوبة”.

عندما يرتكب الإنسان المعاصي والذنوب لا يشعر الإنسان بأنّه يرتكب المعاصي بل يكون مشغولاً بالمتعة التي يحصل عليها من المعصية التي يقوم بها، حيث إنّ المعاصي والذنوب تغرق الإنسان إلى حد الهذيان، وعدم القدرة على استيعاب ما يحدث حوله، وإنّما يعيش الإنسان في عالم من الأحلام المتواصلة، وهذه هي النقطة الأخطر، أي أنّ الإنسان يكون غارقاً في اللّذات، ولا يوجد ما يجعله يستيقظ من غفلته التي ينام فيها.

فإن الله خلق الخلق وقال: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ فخلقهم جل وتعالى على حال ووصف وهيئة يعلمها جلّ وتعالى وركّب فيهم ما شاء من الأوصاف والأخلاق، وجبلهم جل وتعالى على الضعف والنقص والخطأ، وهو مع هذا “لطيف بهم” بما جبلهم عليه. “خبير بهم” وبما يعملون.

ومن هذا فقد كتب عليهم الخطأ والذنب والمعصية.

ولمّا كانت المعاصي أمر حتم لابد منه وليس إنسان يُعصم منها – أيّا كان جنسه ووصفه وهيئته ومكانته – إلا الأنبياء، بل لقد ثبت في حديث الشفاعة أن الناس لما يأتون آدم يستشفعون به يردهم بقوله: “ربي غضب غضبا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، ونهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي” فلمّا كان هذا الأمر أمرحتم، كان لابد من معرفة الأدب فيه على الهيئة التي وصفها الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم

 

ما هي المعاصي والذنوب

المعاصي والذنوب: هي أمور يرتكبها الإنسان وتكون هذه الأمور والأفعال محرّمة حرمة قاطعة وكاملة، ويكون الإنسان واعياً تماماً إلى أنّها معاصي، ولكن عقله غائب من جرّاء المتعة التي تعود على الإنسان عند ارتكاب المعاصي. وكما نعلم بأنّ المعاصي في جميع حالاتها وأنواعها هي محرّمة، ويجب الابتعاد عنها بصورة قطعية.

أشكال المعاصي

الشرك بالله وهي أكبر أنواع المعاصي، وهذا الذّنب يخرج الإنسان تماماً من ملّة الاسلام، كما أنّه أكبر الذنوب عند الله، والتي يغضب الله على مرتكبها، ولكنّها قابلة للغفران إذا أقدم فاعلها على التّوبة، حيث إنّ الله غفر للناس عبادة الأصنام قبل مجيء الإسلام.

ويكون الشرك بالله، من خلال عبادة أمر خلقه الله فينزل هذا المخلوق منزلة الله سبحانه وتعالى، حيث إنّ البعض يعبدون الأصنام، بينما يعبد البعض الآخر البقر، والبعض يعبد النار، وجميع هذه الأمور محرّمة بشكل قطعي، وهذا النّوع من المعاصي لا يمكن التكفير عنه إلا بالتوبة النّصوح التي سيأتي الحديث عنها لاحقاً. الكبائر الأخرى ويوجد في الإسلام سبع كبائر، وسميت بالكبائر لأنّ عرش الرحمن يهتز عند ارتكابها، ومن الممكن أن يتخيّل القارئ مدى بشاعتها من خلال الاسم، فهي كبيرة، والكبائر السبعة أوجزها علماء السنة والفقه بأنها:  

السحر: وهي من الكبائر لأنّ الإنسان السّاحر الذي يمارس السحر يهب نفسه إلى الجن، فيكون ملك لهم، يتصرّفون به كما يشاؤون، وصنّفه العلماء بأنّه نوع من عبادة الجن، فلا يقل عن الإشراك بالله شيئاً، كما أنّ الإنسان يلجأ إلى السحر من أجل إيذاء الناس، فيقوم بتعلّم السّحر وهو معصية من أجل ارتكاب معصية أخرى وهي إيذاء الآخرين، والواجب على من يقوم بعمل السحر أن يقام عليه الحد، والحد هو القتل، ولكن يفتح أمامه باب التوبة، إن لم يتوب يجب أن يقتل، ويموت كافراً ولا يدخل الجنة.

قتل النفس التي حرم الله:

فإنّ عملية الخلق والموت هي بيد الله وحده، وإنّ قتل نفس بدون سبب هي تعدّي على حقوق الله، حيث إنّ الشرع الاسلامي أجاز ثلاث حالات يمكن القتل فيها؟

وهي الثيّب الزاني، وهو الرّجل المحصن الذي سبق له أن تزوّج وقام بارتكاب الفاحشة أو المرأة أيضاً، فيتم رجمه حتى الموت.

والحالة الثانية، هي النّفس بالنّفس، وهي أن يقوم إنسان بقتل إنسان آخر دون سبب، فأجاز الشارع الاسلامي قتل هذا الإنسان تحت مسمّى “القصاص”.

والحالة الثالثة، هي المارق على الدّين المفارق للجماعة، وهو الشخص الذي يخرج عن الدّين ولا يقوم بالعمل حسب الشريعة الإسلامية، أي الإنسان الكافر، ولا يمكن لأي شخص أن يقيم الحد من تلقاء نفسه، بل يجب أن يصدر الحكم عن مجموعة من الشيوخ (القضاة) المتعمّقين في الدّين الإسلامي، ومن ثم يقيم الحد أشخاص مسؤولين عن هذا الأمر يتم تعيينهم من قبل الحاكم.

أكل الربا: وهي أن يقوم الإنسان بإعطاء شخص مبلغ من المال كاستدانة، ولكن يشترط على الشخص أن يعيد له المبلغ بفائدة، وهذه الظاهرة انتشرت كثيراً خصوصاً في معاملات البنوك تحت مسميّات القروض.

أكل مال اليتيم: فيحدث كثيراً أن يموت الأبوين أو الأب مخلّفين من بعدهم الأبناء، ومقدار من المال، ولكن يقوم أحد الأقارب بالاستيلاء على هذا المال، وحرمان الطفل اليتيم منه، وهذا العمل حرمه الله ويعتبر من أكبر المعاصي.

الزنا: وهو حدوث علاقة جنسية غير شرعية بين رجل وامرأة، أي في السر دون أن يتم عقد قران شرعي مستوفي للشروط، وهذا النوع من المعاصي من أكبر المعاصي، حيث إنّه يسبّب تفكّك اجتماعي كبير، كما أنّه يزيد من نسبة الأطفال اللّقطاء، ويعمل على اختلاط الأنساب، ولا يجوز للإنسان أن يقوم بهذا الأمر تحت أي ظروف.

التولي يوم الزحف: ومعنى هذا الأمر أن يترك الإنسان المسلم إخوته وزملاءه أثناء الحرب، ويعود إلى المنزل، وهذا الأمر كبير جداً عند الله.

معاصي أخرى وهناك الكثير من المعاصي الأخرى، مثل السرقة والكذب وشرب الخمر، وإيذاء الآخرين، إفشاء الأسرار، ومشاهدة الأفلام الاباحية، وغيرها الكثير الكثير.

أثر المعاصي على الإنسان

من أكبر الآثار التي تسبّبها المعاصي للإنسان الابتعاد عن الله عز وجل، وترك فجوة كبيرة بين الإنسان وربه الذي خلقه، كما أنّ المعاصي تجر بعضها البعض، فيصبح الأمر عادي عند الإنسان، فمثلاً يقوم الإنسان بشرب الخمر، ومن ثم الزنا، وإذا زنا فإنه سيسرق، أي أنّ المعاصي تجعل من الإنسان شخصاً دنيئاً.

خلقنا الله في هذه الحالة الزائلة من أجل اختبارنا، حيث إنّ هذه الدار هي دار اختبار وامتحان، فمن اجتاز الامتحان بنجاح سوف ينتقل إلى جنات الخلد في الدار الآخرة، ومن لم يستطع اجتيازه سوف ينتقل إلى نار جهنم في الدار الآخرة.

وثاني الآثار التي تحدث للإنسان جراء ارتكاب المعاصي، هي الاخفاق في اجتياز امتحان الدار الفانية، ولكن إذا تمكن من التوبة قبل الموت فإنه سينال رحمة الله عز وجل.

ينزع الله البركة من وجه الإنسان الذي يرتكب المعاصي، فنجد أنّ الإنسان الذي يرتكب المعاصي بشكل دائم لا يوجد في وجهه نور، وإنّما يكون وجهه شاحب اللّون، ودائماً مسود، بينما نستطيع أن نرى الضياء والنور في وجه الإنسان التقي الصالح.

عدم الشعور بالراحة، فيبقى الإنسان دائم الشعور بالقلق والاحباط، كما أنه لا يشعر بالسعادة مهما حاول وفعل.

إضافة إلى ما سبق فإن الله ينزع البركة من ماله، فتبدأ حياته الاقتصادية بالانهيار. كيف يمكن التخلص من الذنوب والمعاصي؟

لا تيأس من رحمة الله، ولا تعتقد أن ذنبك كبير جداً لن يغفره الله ولن يقبل توبتك فاعلم بأنّه مهما بلغ حجم ذنبك ومعصيتك، فإنّ الله أكبر منها بكثير، ويجب أن تتسلّح بالعزيمة والإرادة.

سيحاول الشيطان أن يعيدك إلى ما كنت عليه، ولن يتعب أبداً، فيجب ألا تتعب أنت أيضاً، وأن تكون أقوى من الشيطان في التمسّك بقرار التوبة، وعدم العودة إلى الطريق الذي كنت تسير فيه.

يجب أن تكون التّوبة نصوح، خالصة لوجه الله تعالى، لا رياء فيها، ولكن البعض قد يعتقد أنّ الإنسان الذي يتقرّب من الله من أجل أن يحقّق له الله تعالى أمنية هو رياء، لا الرياء هو أن يقوم الإنسان بالتّوبة من أجل كسب رضا النّاس وليس رضا الله، فليس من الخطأ أن يتقرّب الإنسان من ربّه عند الوقوع في مصيبة، ولكن الخطأ أن يبتعد الإنسان بعد انتهاء المصيبة.

التوبة النصوح

التوبة النّصوح يجب أن يكون أساسها النّدم الشديد على ما ارتكبه الإنسان من ذنوب، كما أنّ التوبة يجب أن تكون خالصة النيّة لله، وألا يعود الإنسان إلى ما كان يقوم به سابقاً، ورد المظالم إلى أهلها، فإن كان قد ظلم أحداً أثناء ارتكاب المعصية يجب أن يقوم برد هذه المظلمة قبل التوبة إلى الله، فالله حريص على رد حقوق الناس قبل حقوقه.

 

أهمية موضوع المعاصي والذنوب

  1. أدب الإسلام وحرصه على تطهير أفراده وتهذيبهم وتزكيتهم من رجس الشيطان.

  2. هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن في بيان أهمية موضوع المعاصي والذنوب، إظهار وبيان لسعة رحمة الله عز جل وسعة علمه وحلمه وعفوه، وكيف أنه عز جلّ تعرّف إلى عباده بجميع أنواع التعرفات.

  3. ثم إنه قد حلّ في المسلمين قوم يهوّلون المعصية ويعيّرون العاصي حتى لا يكاد يجد باباً مفتوحاً إلى رحمة الله من التأييس والقنوط!

والله الرحمن الرحيم قد خاطب عباده بقوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾

فتأمل كيف ناداهم الرحمن المتفرّد بالعزة والجلال بأحب المقامات إليه – مقام العبودية – وكيف أكّد سعة رحمته في ختام الآية الكريمة.

 

أمور لابد من معرفتها؟

أولاً: قَدَر المعاصي والذنوب والحكمة من ذلك.

لقد بيّن الله تعالى في كتابه شدّة عداوة الشيطان الرجيم لعباد الله تعالى، وأن عداوته لهم باقية حتى يأذن الله تعالى بنهاية الشيطان وشره وشركه.

وتأمل هذا الحوار القرآني الذي يصوّر شدة عداوة الشيطان لعباد الله تعالى، قال تعالى:  

﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ * قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ * إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾

 

وثبت في الأحاديث الصحيحة قوله صلى الله عليه وسلم:

– “والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم”

– “كتب على ابن آدم حظّه من الزنا مدرك ذلك لا محاله.. “

– “خلق المؤمن مفتّنا توّاباً إذا ذُكر ذكر”

– “كل ابن آدم خطّاء وخير الخطائين التوابون”

فبيّنت لنا هذه النصوص وغيرها أن المعصية قدر الله تعالى على عباده وأنه قدر مقضي نافذ لا محالة.

السؤال: ما حكمة تقدير الذنوب والمعاصي على العباد؟!

وهو سؤال حكيم لطيف في بابه، وإن من تأمل الوحي حق التأمل وجد أن الله قد اتصف بـ “الحكيم” وأن حكمته عز وجل تتنافى مع أن يقضي الله قضاء عبثاً، فدل ذلك أن قدر الذنوب إنما هو قدر الحكيم اللطيف الخبير.

فانظر إلى هذه الحكم في قدر الذنوب والمعاصي:  

1 – ليقيم الله تعالى على عبده حجّة عدله فيعاقبه – إن عاقبه – على ذنبه بحجته.

2 – حتى تتحقق معاني أسماء الله وتعالى وصفاته، فإن الله عز وجل قد اتصف بالرحمة والمغفرة، والرحمة والمغفرة تستلزم ذنباً يُغفر.

3 – معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته.

هنا – يا رعاك الله – اسمح لي أن أقتطف لك ثمرات يانعات من كلام الإمام الرباني المربي الإيماني شيخ الإسلام وطبيب القلوب شمس الدين ابن القيم رحمه الله وهو يستعذب نصوص الوحي ويكشف من كنوزها في هذا الباب فيقول:  

( ….. فيحدث له ذلك

* أنواعاً من المعرفة بالله وأسمائه وصفاته وحكمته ورحمته ومغفرته وعفوه وحلمه وكرمه.

* وتوجب له هذه المعرفة عبودية بهذه الأسماء لا تحصل بدون لوازمها البتة.

* ويعلم ارتباط الخلق والأمر والجزاء والوعد والوعيد بأسمائه وصفاته، وأن ذلك موجب الأسماء والصفات وأثرها في الوجود وأن كل اسم وصفة مقتضٍ لأثره وموجبه، متعلق به لا بد منه!! أ.هـ (تهذيب المدارج ص 132)

ثم استعذب اخي الكريم هذا الوصف البديع من الإمام ابن القيم لهذا المشهد:  

يقول:  

وهذا المشهد يطلعه على رياض مونقة من المعارف والإيمان وأسرار القدر والحكمة،  يضيق عن التعبير عنها نطاق الكلم ..

فمن بعضها:  

* أن يعرف العبد عزّته في قضائه.

وهو أنه سبحانه العزيز الذي يقضي ما شاء على عبده وأنه لكمال عزته حكم العبد وقضى عليه،  وجعله مريداً شائيا لما شاء منه العزيز الحكيم. وهذا من كمال العزة. إذ لا يقدر على ذلك إلا الله.

وغاية المخلوق: أن يتصرف في بدنك وظاهرك، وأمّأ جعلك مريداً شائياً لما يشاءه منك ويريده فلا يقدر عليه إلا ذو العزة الباهرة.

* أن يعرف أنه مُدبَّر مقهور ناصيته بيد غيره.

لا عصمة له إلا بعصمته ولا توفيق له إلا بمعرفته، فهو ذليل حقير في قبضة عزيز حميد.

* أن يعرف برّه سبحانه في ستره عليه حال ارتكاب المعصية مع كمال رؤيته له. ولو شاء لفضحه بين خلقه فحذروه، وهذا من كمال بره ومن اسمائه ” البر “.

* شهود حلم الله تعالى في إمهال راكب الخطيئة، ولو شاء لعاجله بالعقوبة. ولكنه الحليم الذي لا يعجل، فيحدث له ذلك معرفة ربه بإسمه “الحليم” ومشاهدة صفة الحلم والتعبّد لله بهذا الاسم.

* معرفة كرم ربه في قبول العذر منه إذا اعتذر إليه.

فيقبل عذره بكرمه وجوده، فيوجب له ذلك اشتغالاً بذكره وشكره ومحبة أخرى لم تكن حاصلة له قبل ذلك.

* أن يكمّل لعبده مراتب الذل والخضوع والانكسار بين يديه والافتقار إليه.

فإن النفس فيها مضاهاة للربوبية ولو قدرت لقالت كقول فرعون، ولكنه قدر فأظهر وغيره عجز فأضمر وإنما يخلصها من هذه المضاهاة ذل العبودية.

* ومنها السر الأعظم الذي لا تقتحمه العبارة ولا تجسر عليه الإشارة، ولا ينادي عليه مناد الإيمان على رؤوس الأشهاد بل شهدته قلوب خواص العباد.. وذلك: حصول فرح الله تعالى بتوبة عبده الذي ثبت في ذلك الأثر الصحيح:  “لله أفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلة بأرض فلاة فانفلتت منه،  وعليها طعامه وشرابه فأيس منها،  فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال – من شدة الفرح – اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح”.

القصد أن هذا الفرح له شأن لا ينبغي للعبد إهماله والإعراض عنه، ولا يطلع عليه إلا من له معرفة خاصة بالله وأسمائه وصفاته وما يليق بعز جلاله.

* العبودية لله بإحداث المراغمة بينه وبين عدو الله تعالى.

فمن تعبّد لله تعالى بمراغمة عدوه فقد أخذ من الصديقية بسهم وافر، وعلى قدر محبة العبد لربه وموالاته ومعاداته يكون نصيبه من هذه المراغمة.. وهذا باب من العبودية لا يعرفه إلا القليل من الناس.

ومن ذاق طعمه ولذّته بكى على أيامه الأول …

وصاحب هذا المقام إذا نظر إلى الشيطان ولاحظه في الذنب راغمه بالتوبة النصوح فأحدثت له هذه المراغمة عبودية أخرى.

* أن عبودية التوبة من أحب العبوديات إلى الله.

ولهذا يبتلي بالذنب لمحبته جل في علاه لعبودية التوبة وفرحه بها،  فهو سبحانه يفرح بتوبة عبده أشد من فرح الواجد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة بعد ما فقدها وأيس من الحياة!!

فهذه نبذة من بعض لطائف وأسرار التوبة لا تستهزئ بها!!

إلى غير ذلك من الحكم الباهرات التي أطال في سبحاتها شيخ الاسلام ابن القيم رحمه الله في كتابه النفيس “مدارج السالكين”.

4 – ثم تأمل أيها المذنب الخطّاء أن هذه الذنوب والمعاصي إنما قدّرها الله تعالى على عبده لتولّد عنده هذا النوع من العبودية له، وهو المعنى الذي دلّ عليه قوله صلى الله عليه وسلم:  “والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم”.

فالذنب والمعصية لها جهتان أو أثران:  

– الأثر الأول: أثر سلبي انهزامي مذموم وهو الاستسلام للمعصية والإغراق فيها والشؤم بها شؤماً مطلقاً يقعده عن التوبة والاستغفار والعمل.

– الأثر الثاني: الأثر الإيجابي المحمود، وهو أثر يحدثه وقوع المعصية والذنب مما سبق وصفه في مشاهد حكمة الله تعالى في التخلية بين عبده ومعصيته جل في علاه.

فتأمل – يا رعاك الباري – هذه المشاهد ولاحظها في بديع حكمة تقدير الله تعالى الذنوب والمعاصي وتقدير تخليته جل في علاه بين العبد وبين معصيته.

 

ثانياً: الذنب المعتاد.

وهو أمر أخصّ من سابقه.

إذ أنه قد يُتوهم أن مشاهد العبودية المترتبة على الوقوع في المعصية والذنب إنما تكون حين يقع الذنب مرة واحدة!

فجاء هذا الفقه النبوي ليبين أن هذه العبودية تتجدد وتكون كلّما وقع الذنب.

ثبت في الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم:  

– “إن عبداً أصاب ذنباً ـ وربما قال:  أذنب ذنباً ـ فقال:  رب أذنبت ذنباً ـ وربما قال” أصبت ـ فاغفر،  فقال ربه:  أعَلِم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي؛ ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنباً ـ أو أذنب ذنباً ـ فقال: رب أذنبت ـ أو أصبت آخر ـ فاغفره، فقال: أعَلِم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي! ثم مكث ما شاء الله ثم أذنب ذنباً ـ وربما قال: أصاب ذنباً ـ فقال: رب أصبت ـ أو قال: أذنبت ـ آخر فاغفره لي فقال: أعَلِم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي! ثلاثاً فليعمل ما شاء” رواه البخاري ومسلم.

– “ما من مؤمن إلا و له ذنب، يعتاده الفينة بعد الفينة، أو ذنب هو مقيم عليه لا يفارقه، حتى يفارق الدنيا، إن المؤمن خلق مفتنا، توابا، نسيا، إذا ذُكر ذَكر” صحيح الجامع 5735.

فتأمل قوله: “فليعمل ما شاء” طالما أنه يستشعر عظم ذنبه وعظمة ربه فيتوب إليه ويؤوب فإن ذلك لا محالة مطهر له من ذنبه حاجز له عن أن يصرّ عليه.

وطالما أن ذلك يحقق له هذه الأنواع من العبودية لله فإن ذلك حقاً هو الحالة السلوكية الواقعية – المثالية – للبشر في الأرض.

“يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم”

 

ثالثاً: العفو عن حديث النفس والخواطر.

فإنه لما كانت النفس مفطورة على الخطأ ركّب الله فيه خواطر تعتور فكره وهي إما خواطر رحمانية أو شيطانية أو نفسانية.

ولمّا كان العبد غير قادر على أن يحجم خواطره من أن تخطر على باله وفكره فقد عفى الله تعالى عن ذلك.

جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله تجاوز لأمتي ما حدّثت به نفسها مالم تكلم به أو تعمل به”

بل أعظم من ذلك فإن الانتهاء عن داع النفس والخاطر السيء يورث أجراً من الله الكريم المنان.

فقد قال صلى الله عليه وسلم: “من همّ بالسيئة فلم يعملها كتبها الله تعالى عنده حسنة كاملة”.

 

رابعاً: المعاصي والذنوب سبب الهلاك والإهلاك.

وذلك حين لا تتحقق الواقعية – المثالية – من هذا القضاء والقدر..

حين لا يتحقق “الاستغفار” والعبودية لله..

حين تحدث المعصية ارتكاسا وعمىً ..

حين لا يورّث الذنب ذلاً وخضوعاً..

حينها يستحقون الهلاك ويقع الإهلاك..

إن الله عز وجل إنّما قدر هذه الذنوب والمعاصي لتحدث أثراً إيجابياً في واقع الحياة والسلوك من معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته وتحقيق العبودية له.

أمّا حين تكون طغياناً وجبروتاً واستهزاءً واستعجالاً للعذاب..

تكون هي رجسة الشيطان، وذلك لا يكون إلا ممن تسلّط عليه إبليس فملك منه لبّه وعقله وفؤاده – أجارنا الله وإياكم من ذلك -.

بيان الأمور التي جعلتها الحنيفية السمحاء في سبيل تحقيق السلوك الواقعي المثالي في التعامل مع قدر المعصية والذنب.

ولزوم هذه الأمور مما يعين العبد المقصّر المذنب الخطّاء على تحقيق السلوك القويم.

  1. وقاية من الوقوع في المعاصي والذنوب، وهي لا تعني بالضرورة الحمية منها، لأنه سبق الإيضاح أن الوقوع في المعاصي والذنوب أمر حتمي.

لكن هذه الأمور من جهة:

– عدم حصول الإصرار على المعصية.

– عدم حصول اليأس والقنوط من شدّة وطأة المعصية.

– من عدم حصول الهلاك والإهلاك.

الذنوب جروح القلوب

قال سبحانه وتعالى: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً)

اعلم يا رعاك الله أن عشق المعاصي والذنوب وهواها سبب في هلاك النفس وضياعها، قال ابن القيم رحمه الله في كتاب: روضة المحبين ونزهة المشتاقين:

وكم أكبت فتنة العشق رؤوسا على مناخرها في الجحيم وأسلمتهم إلى مقاساة العذاب الأليم وجرعتهم بين أطباق النار كؤوس الحميم وكم أخرجت من شاء الله من العلم والدين كخروج الشعرة من العجين وكم أزالت من نعمة وأحلت من نقمة وكم أنزلت من معقل عزه عزيزا فإذا هو من الأذلين ووضعت من شريف رفيع القدر والمنصب فإذا هو في أسفل السافلين وكم كشفت من عورة وأحدثت من روعة وأعقبت من ألم وأحلت من ندم وكم أضرمت من نار حسرات أحرقت فيها الأكباد وأذهبت قدرا كان للعبد عند الله وفي قلوب العباد وكم جلبت من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء فقل أن يفارقها زوال نعمة أو فجاءة نقمة أو تحويل عافية أو طروق بلية أو حدوث رزية فلو سُألت النعم ما الذي أزالك والنقم ما الذي أدالك والهموم والأحزان ما الذي جلبك والعافية ما الذي أبعدك وجنبك والستر ما الذي كشفك والوجه ما الذي أذهب نورك وكسفك والحياة ما الذي كردك وشمس الإيمان ما الذي كورك وعزة النفس ما الذي أذلك وبالهوان بعد الإكرام بدلك لأجابتك بلسان الحال اعتبارا إن لم تجب بالمقال حوارا

هذه والله بعض جنايات العشق على أصحابه لو كانوا يعقلون ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ يكفي اللبيب موعظة واستبصارا ما قصه الله سبحانه وتعالى عليه في سورة الأعراف في شأن أصحاب الهوى المذموم تحذيرا واعتبارا فبدأ سبحانه وتعالى بهوى إبليس الحامل له على التكبر عن طاعة الله عز وجل في أمره بالسجود لآدم فحمله هوى النفس وإعجابه بها على أن عصى أمره وتكبر على طاعته فكان من أمره ما كان ثم ذكر سبحانه هوى آدم حين رغب في الخلود في الجنة وحمله هواه على أن أكل من الشجرة التي نهي عنها وكان الحامل له على ذلك هوى النفس ومحبتها للخلود فكان عاقبة ذلك الهوى والشهوة إخراجه منها إلى دار التعب والنصب.

وقال رحمه الله:

ثم ذكر سبحانه فتنة الكفار الذين أشركوا به ما لم ينزل به سلطانا وابتدعوا في دينه ما لم يشرعه وحرموا زينته التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق وتعبدوا له بالفواحش وزعموا أنه أمرهم بها واتخذوا الشياطين أولياء من دونه والحامل لهم على ذلك كله الهوى والحب الفاسد وعليه حاربوا رسله وكذبوا كتبه وبذلوا أنفسهم وأموالهم وأهليهم دونه حتى خسروا الدنيا والآخرة ثم ذكر سبحانه وتعالى قصة قوم نوح وما أصارهم إليه الهوى من الغرق في الدنيا ودخول النار في الآخرة ثم ذكر قصة عاد وما أفضى إليه بهم الهوى من الهلاك الفظيع والعقوبة المستمرة ثم قصة قوم صالح كذلك ثم قصة العشاق أئمة الفساق وناكحي الذكران وتاركي النسوان وكيف أخذهم وهم في خوضهم يلعبون وقطع دابرهم وهم في سكر عشقهم يعمهون وكيف جمع عليهم من العقوبات ما لم يجمعه على أمة من الأمم أجمعين وجعلهم سلفا لإخوانهم اللوطية من المتقدمين والمتأخرين ولما تجرأوا على هذه المعصية ومردوا ونهجوا لإخوانهم طريقا وقاموا بأمرها وقعدوا ضجت الملائكة إلى الله من ذلك ضجيجا وعجت الأرض إلى ربها من هذا الأمر عجيجا وهربت الملائكة إلى أقطار السموات وشكتهم إلى الله جميع المخلوقات وهو سبحانه وتعالى قد حكم أنه لا يأخذ الظالمين إلا بعد إقامة الحجة عليهم والتقدم بالوعد والوعيد إليهم فأرسل إليهم رسوله الكريم يحذرهم من سوء صنيعهم وينذرهم عذابه الأليم فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعوة على رؤوس الملإ منهم والأشهاد وصاح بها بين أظهرهم في كل حاضر وباد وقال فكان في قوله لهم من أعظم الناصحين ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ ثم أعاد لهم القول نصحا وتحذيرا وهم في سكرة عشقهم لا يعقلون ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ فأجاب العشاق جواب من أركس في هواه وغيه فقلبه بعشقه مفتون و ﴿قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ فلما أن حان الوقت المعلوم وجاء ميقات نفوذ القدر المحتوم أرسل الرحمن تبارك وتعالى لتمام الإنعام والامتحان إلى بيت لوط ملائكة في صورة البشر وأجمل ما يكون من الصور وجاءوه في صورة الأضياف النزول بذي الصدر الرحيب ﴿سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ وجاء الصريخ إلى اللوطية أن لوطا قد نزل به شباب لم ينظر إلى مثل حسنهم وجمالهم الناظرون ولا رأى مثلهم الراؤون فنادى اللوطية بعضهم بعضاً أن هلموا إلى منزل لوط ففيه قضاء الشهوات ونيل أكبر اللذات ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ فلما دخلوا إليه وهجموا عليه قال لهم وهو كظيم من الهم والغم وقلبه بالحزن عميد ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ فلما سمع اللوطية مقاله أجابوه جواب الفاجر المجاهر العنيد ﴿قَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ فقال لهم لوط مقالة المضطهد الوحيد ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ فلما رأت رسل الله ما يقاسي نبيه من اللوطية كشفوا له عن حقيقة الحال وقالوا هون عليك ﴿يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ فسر نبي الله سرور محب وافاه الفرج بغتة على يد الحبيب وقيل له ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ ولما أبوا إلا مراودته عن أضيافه ولم يرعوا حق الجار ضرب جبريل بجناحه على وجوههم فطمس منهم الأعين وأعمى الأبصار فخرجوا من عنده عميانا يتحسسون ويقولون ستعلم غدا ما يحل بك أيها المجنون فلما انشق عمود الصبح جاء النداء من عند رب الأرباب أن اخسف بالأمة اللوطية وأذقهم أليم العذاب فاقتلع القوي الأمين جبريل مدائنهم على ريشة من جناحه ورفعها في الجو حتى سمعت الملائكة نبيح كلابهم وصياح ديكتهم ثم قلبها فجعل عاليها سافلها وأتبعوا الحجارة من سجيل وهو الطين المستحجر الشديد وخوف سبحانه إخوانهم على لسان رسوله من هذا الوعيد فقال تعالى ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ فهذه عاقبة اللوطية عشاق الصور وهم السلف وإخوانهم بعدهم على الأثر.

وإن لم يكونوا قوم لوط بعينهم … فما قوم لوط منهم ببعيد

وإنهم في الخسف ينتظرونهم … على مورد من مهلة وصيد

يقولون لا أهلا ولا مرحبا بكم … ألم يتقدم ربكم بوعيد

فقالوا بلى لكنكم قد سننتم … صراطا لنا في العشق غير حميد

أتينا به الذكران من عشقنا لهم … فأوردنا ذا العشق شر ورود

فأنتم بتضعيف العذاب أحق من … متابعكم في ذاك غير رشيد

فقالوا وأنتم رسلكم أنذرتكم … بما قد لقيناه بصدق وعيد

فما لكم فضل علينا فكلنا … نذوق عذاب الهون جد شديد

كما كلنا قد ذاق لذة وصلهم … ومجمعنا في النار غير بعيد

وكذلك قوم شعيب إنما حملهم على بخس المكيال والميزان فرط محبتهم للمال وغلبهم الهوى على طاعة نبيهم حتى أصابهم العذاب وكذلك قوم فرعون حملهم الهوى والشهوة وعشق الرئاسة على تكذيب موسى حتى آل بهم الأمر إلى ما آل وكذلك أهل السبت الذين مسخوا قردة إنما أتوا من جهة محبة الحيتان وشهوة أكلها والحرص عليها وكذلك الذي آتاه الرب تبارك وتعالى آياته ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ وقال تعالى ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ وتأمل قوله تعالى آتيناه آياتنا فأخبر أن ذلك إنما حصل له بإيتاء الرب له لا بتحصيله هو ثم قال ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ ولم يقل فسلخناه بل أضاف الانسلاخ إليه وعبر عن براءته منها بلفظة الانسلاخ الدالة على تخليه عنها بالكلية وهذا شأن الكافر وأما المؤمن ولو عصى الله تبارك وتعالى ما عصاه فإنه لا ينسلخ من الإيمان بالكلية.

بعد أن علمت هذا أيها المبارك . . فإني أقول لك: رفقاً رفقاً..

رفقاً بنفسك التي بين جنبيك فلا تؤيّسها من رحمة الله…

وتأمّل عظيم فضل الله وإحسانه وبرّه عليك..

فلا يُشغلنّك الشيطان بذنبك عن أن تطالع عبودية الله في أثر معصيتك..

فإن هذا مقام عظيم…

ورفقاً رفقاً .. أيها الناس بالمذنبين . .

لا تعيّروهم،  أو تقنّطوهم..

بل افتحوا لهم باب الأمل بالله..

والرجاء به..

والتوبة والأوبة إليه..!

لماذا يستنكر الناس وقوع بعضهم في المعاصي؟!

خاصة في صفوف ذوي الهيئات من الناس، فما والله هم بأفضل من صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رضي الله عنهم..

فقد علمنا أن فيهم من زنا..

ومن سرق..

ومن شرب الخمر..

ومن جسّ عليهم..

بل ومنهم من ارتدّ عن الإسلام إلى الكفر ثم آمن!!

هؤلاء وهم أطهر الخلق بعد الأنبياء وقعوا في مثل هذه الذنوب والمعاصي!

فهل يعي الناس أن الناس سواء في هذا الباب – أعني في باب الوقوع في المعاصي والذنوب -!!

صحيح أن الذنب من العظيم عظيم..

لكن ذلك لا يجعلنا نؤيّسهم أو نقنّطهم أو نعين الشيطان عليهم في إبعادهم عن طريق النور والهدى.. الطريق الذي يوصل إليه..

أستغفر الله!!

التخلص من المعاصي والذنوب

لا بدّ ابتداءً أن يُدرِكَ أنَّه مُذنِب، وأن لا يُهَوِّنَ ذنبهُ في عينيه، فأول خطوةٍ للعلاج هي الاعترافُ بالمرض، فلو أنكرَ المريض مرضهُ، صَعُبَ عِلاجُهُ، فينبغي على الإنسانِ أن يُقِرَّ بِذنبه، ويعترِفَ بخطئِه. الدعاء لله سبحانه وتعالى، أن يطهِّرَ القلبَ من الذنوب والمعاصي، فالدعاءُ سلاحُ المؤمنِ الصادق، والله أمرنا أن ندعوه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾.

يجبُ على المُذنبِ أن يتذكَّرَ الجنة والنار، والبعث والجزاء، وأننا محاسبون على أعمالنا، فالله سبحانه لم يَخلُقنا عبثاً، ولم يُعطِنا الاختيار أن نعمل في دنيانا ما نشاء من الذنوب والمعاصي دون حِساب، بل إننا سنُحاسبُ على كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ، فإما أن يؤاخِذنا الله بها، وإما أن يغفر لنا ويتوب علينا، وهو التواب الرحيم.

لا بدّ أن يعلم الإنسانُ الذي وقع في الذنب، أن الله عز وجل غفور رحيم بعباده، يغفر لهم ويعفو عنهم، فلا ينبغي على المُذنِبِ أن ييأس من رحمة الله التي وَسِعت كلَّ شيء. ينبغي أن يتوب إلى الله توبةً صادقة، يعزم فيها على ألا يرجع للذنب أبداً، فيندم على ما فاته، وعليه أيضاً أن يعيد الحقوق إلى أصحابها، إن كان قد اعتدى على حقوق الناس.

كثرة الاستغفار من الذنب، فالاستغفار يطهِّرُ القلب، ويمحو الله به الخطايا.

القيام بالأعمال الصالحةِ الحسنةِ التي تمحو الذنوب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وأتبعِ السيئة الحسنة تمحها)، فالإسلام دين عمليّ، يعلُمُنا ألا نقف كثيراً عند النَّدمِ على الذَّنب، بل يجب المسارعة بالأعمال الحسنةِ، والتي يُساعدُ الانشغال بها على الابتعاد عن الذنب.

ويتحقق التخلص من المعاصي والذنوب بأمور مها:

أولاً: استعظم ولا تحتقر!!

المعاصي والذنوب هي حالة استجابة لداعي الشيطان، مهما صغرت الخطيئة، والشيطان عدو لله، فاستجابة داعي الشيطان والغفلة عن داعي الرحمن أمر عظيم مهما حقر في نظر العاصي.

ثانياً: لا تقعد معهم !!.

يتعين التحفظ من مخالطة أهل المعاصي والذنوب، لما يخشى أن يؤثر على دينك والتزامك مع الحرص على حضهم على التوبة وتعليمهم ما يجهلون وإنكار المنكر الذي يقترفون والدعاء لهم بالهداية والإنابة إلى الله تعالى لعل دعوة صادقة يهديهم الله بها، ففي صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يوماً فأسمعتني في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أكره، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، قلت: يا رسول الله، إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اهد أم أبي هريرة، فخرجت مستبشراً بدعوة نبي الله صلى الله عليه وسلم، فلما جئت فصرت إلى الباب فإذا هو مجاف، فسمعت أمي خشف قدمي فقالت: مكانك يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة الماء، قال: فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها ففتحت الباب ثم قالت: يا أبا هريرة، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، قال: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته وأنا أبكي من شدة الفرح، قال: قلت: يا رسول الله أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة، فحمد الله وأثنى عليه، وقال خيراً… إلى آخر الحديث.

وقد ورد سؤال لسماحة العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز يرحمه الله يقول السائل فيه:

هل يجوز للإنسان أن يجلس مع أهل المعاصي ولاسيما أولئك الذين يشربون الخمر وربما يلعبون الميسر؟ جزاكم الله خيرًا.

فأجاب رحمه الله:

ليس للمسلم أن يجلس مع من يتظاهرون بالمعاصي، بل يجب الحذر منهم والبعد عنهم لئلا يصيبه ما أصابهم ولئلا يفعل فعلهم، إلا إذا حضر للإنكار والدعوة بأن وقف عليهم ودعاهم ونصحهم بالأسلوب الحسن فإن استجابوا وإلا انصرف فلا بأس، أما الجلوس معهم لا، والله جل وعلا يقول: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:68].

فالله نهى عن القعود بعد الذكرى مع القوم الظالمين ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:68]؛ لأنه قد يميل إليهم قد يفعل مثل فعلهم، فالواجب الحذر، لكن إذا وقف عليهم للدعوة إلى الله، التوجيه إلى الخير، وإنكار المنكر بالأسلوب الحسن والنصيحة لعل الله يهديهم بأسبابه لعلهم يستجيبون فهذا أمر مطلوب، وإن استطاع ذلك، وظن أنه ينفع وجب عليه؛ لقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:9]، ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾  [الغاشية:21].

فالمقصود أن الله جل وعلا شرع لنا التذكير والدعوة فإذا أمكنك أن تدعوهم إلى الله، وأن ترشدهم إلى الخير، وأن تحذرهم من الباطل فأنت على خير عظيم، أما الجلوس معهم فلا.

ثالثاً: دافع وأصلح خواطرك .

الانسان له ثلاثة خواطر:

– رحمانية: وهي خواطر تحثّ على أعمال البر الصالحة.

– شيطانية: وهي خواطر تدعو إلى الفحشاء والمنكر.

– نفسانية: وهي الرؤى والأحلام.

من الأمور المعينة في إصلاح ومدافعة الخواطر هو مبدأ: التخلية قبل التحلية؟

إن معرفة الإنسان لنفسه ميزة بشرية، لا يملكها الحيوان، استفاد منها الإنسان في جملة أمور، أهمها:

  1. مراقبة سلوكه وتصرفاته ومحاولة السيطرة عليها.

  2. الاستفادة من أخطائه وعدم تكرارها.

  3. الاستفادة من أخطاء غيره وعدم الوقوع فيها.

  4. التحلي بالعادات الفاضلة والتخلي عن العادات السيئة.

رابعاً: جالس الأخيار.

خلق الله الإنسان بفطرته ليعيش مع غيره، وما سُمِّي الإنسان إنسانًا إلا لأنه يأنس ويستأنس بالغير، ولا يستطيع أن يعيش وحده أبدًا، والأصل في الإنسان أنه يعايش الآخرين ويعاشرهم لنيل معاشه ويسعد في معاده، والطريق إلى الله يحتاج إلى مجهود ومغالبة للنفس والشيطان.

ومن ثم كان لزامًا للمسلم أن يكون له في هذه الدنيا صديق صالح يعينه على الطاعة ويبعده عن المعاصي؛ قال سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾

يأمر الله تعالى نبيَّهُ محمدًا – صلَّى الله عليه وسلم – في هذه الآية، والأمر عامٌّ له ولأمَّته بلزوم الصالحين، ومصابرة النفس على مصاحبتهم، والبقاء معهم.

وعن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه -: أنَّ النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – قال: (لا تصاحِب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامكَ إلا تقيٌّ)

قال الشاعر

عليك بصحبة الأخيار إن شئت صحبة ♦♦♦ ففي صحبة الأخيار تلقى الفوائد

فمن جالس العطار طاب بطيبه ♦♦♦ ومن جالس الحداد ألقى السوائد.

وقال آخر:

عَنِ المَرْءِ لا تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ ♦♦♦ فَكُلُّ   قَرِينٍ   بالمُقَارِنِ   يَقْتَدِي

خامساً: فانصب!

قال سبحانه: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ۝ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾

قال الشيخ العلامة: محمد الأمين الجكني في كتابه: أضواء البيان

النصب: التعب بعد الاجتهاد، كما في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ﴾.

قال بعض أهل العلم في شرح هذه الآية: إذا فرغت من أمر دنياك، فانصب في عمل آخرتك، هذا جاء عن مجاهد، وهو الذي رجحه ابن كثير، وهو ظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – والشيخ محمد الأمين الجكني الشنقيطي.

سادساً: داوم على الاستغفار.

جميعنا أهل آمال وطموحات ورغبات وأمنيات نسعى لتحقيقها بكل وسيلة ممكنة وبكل الطرق المتوفرة، فمن منا لا يرغب في مسكن مريح واسع الأطراف!

ومن منا لا يرغب في وظيفة مرموقة بدخل طيب تكفيه مؤنة الحياة!

ومن منا لا يرغب في حياة هادئة رقيقة المشعر والمسكن والأهل!

ومن منا لا يرغب في السفر وزيادة الرزق وبركته والشهادات العليا!

ناهيك عن الظروف القاسية والمشاكل والآهات والآلام والأحزان التي تعتري وتكدر صفو حياة الشخص فبها يظن أن الدنيا قد أسودت ولا أمل منها ولا فائدة، وهكذا تتوالى قلوب البشر في تطلعات المستقبل وأحياناً تسود حزناً عندما لا تجد ما كانت تتطلع إليه.

عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب)، رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه.

وهذا الحديث مقتبس من قوله تعالي: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ لأن من دوام على الاستغفار وأقام بحقه، كان متقيا، وناظرا إلى قوله تعالي: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾.

روي عن الحسن أن رجلا شكا إليه الجدب، فقال: استغفروا ربكم، وشكا إليه آخر الفقر، وآخر قلة النسل، وآخر قلة ريع أرضه، فأمرهم كلهم بالاستغفار، فقيل له: شكوا إليك أنواعا، فأمرتهم كلهم بالاستغفار؟ فتلا الآية.

سابعاً: لا تجاهر!

المجاهرة بمعنى إظهار ما ستر الله على العبد من فعله المعصية؛ كأن يُحدِّث بها تفاخرًا أو استهتارًا بستر الله تعالى، وهؤلاء هم الذين لا يتمتعون بمعافاة الله عز وجل.

الذنوب والمعاصي عاقبتها وخيمة في الدنيا والآخرة، قال تعالى مبينًا أضرارها على العباد: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾  [العنكبوت:40].

وأعظم هذه الذنوب المجاهرة بها، ومعناها أن يرتكب الشخص الإثم علانية، أو يرتكبه سرًّا فيستره الله عز وجل ولكنه يخبر به بعد ذلك مستهينًا بستر الله له، قال الله تعالى: ﴿لَّا يُحِبُّ اللَّـهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ۚ وَكَانَ اللَّـهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [النساء:148].

جاء في تفسيرها: “لا يحب الله تعالى أن يجهر أحد بالسوء من القول، إلا من ظُلِم، فلا يُكره له الجهر به” (تفسير القرطبي: [7/199]).

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل العبد بالليل عملا، ثم يصبح قد ستره ربه، فيقول: يا فلان! قد عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه» [متفق عليه].

ثامناً: أتبع السيئة الحسنة تمحها!

عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اتَّقِ اللهَ حيثُ كنتَ وأتبِعِ السيئةَ الحسنةَ تَمْحُهَا وخالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حسنٍ” رواه الإمام أحمد والترمذي

منة من الله وفضل عظيم أن جعل الحسنات التي يقوم بها المرء تمحو السيئات، فالحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها، ومن اتبع السيئة الحسنة محتها، أي فضل من الله ورحمة أكثر من هذا، الله لطيف بعباده حقاً. روي أنه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبره أنه قد أصاب من امرأة قبلة، فأنزل سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ﴾ سورة هود الآية 114.

تاسعاً: لا تعيّر غيرك بالمعاصي والذنب!!

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾

وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَهُ» رواه الترمذي في السنن ج4 ص661.

لا تستهزأ بأهل المعاصي والذنوب وفعل المنكرات والمحرمات فكذلك كنت من قبل يا ابن آدم فمن الله عليك بالتوبة والهداية

واسأل ربك الثبات على الدين والهداية لمن ضل السبيل فالذي أخرجك من الظلمات إلى النور قادر على أن يخرج أفجر أهل الأرض من ظلمات المعاصي إلى نور الهداية.

وعلق الشيخ صالح الفوزان حفظه الله على حديث معاذ بن جبل المتقدم بقوله:

من عيّر أخاه بذنب لم يمت حتى يفعله يعني يفعل هذا الذنب الذي عيّر به أخاه، المسلمون لهم ذنوب وليسوا معصومين، العصمة للرسل عليهم الصلاة والسلام، فأنت لا تتخذ من عيوب الناس سبيلاً إلى تنقصهم وتذكر عيوبهم تعيرهم بذلك: يا من فعل كذا وكذا.. إلخ، تذكر عيبه، فإذا عيّرته بذنب فإن الله يعاقبك لئلا تموت وإلا وقد فعلت هذا الذنب، من عيّر أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله عقوبة له، تجنب الوقوع في عيوب الناس، استر عليه، المناصحة لا مانع منها المناصحة واجبة لكن التعيير والناصح لا يُعير ويجيب التعيّير، يجيب نصيحة بشفقة برفق بستر، فرق بين النصيحة والتعيير، يقول لا هذا من الغيرة! نقول لا ما هيب غيره هذا ما يجوز، الغيرة أنك تنصحه تشفق عليه تستر عليه هذه الغيرة، أما الفضيحة فلا تجوز، الواجب أن تستر على أخيك.

عاشراً: تب إلى الله ولا تيأس أو تقنط!!.

قال الشيخ العلامة صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله في معرض رده على سؤال:

أعزم على التوبة وكررها ولا تقنط من رحمة الله، تقول تبت كم مره ولا، لا، لا تقنط من رحمة الله، كلما تذنب تتوب إلى الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ لا تيأس من رحمة الله، تب إلى الله.

فيا مَن ظننتَ ألَّا يُغْفَر لك مِن كثرة ذنوبك.

ويا مَن وَسوَسَت، هل أنت كثير الذنوب.

ويا مَن سَخِر منك الناسُ؛ لكونك أسرفتَ في المعاصي.

ويا مَن قال لكِ الناسُ: إنكِ متبرِّجةٌ فلن يُغفر لك، ولن تُقْبل منك صلاة.

أبشروا بكل سرور؛ فالله عز وجل يفرح بالتائبين المعترفين بذنوبهم، والنادمين على معاصيهم.

عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ قَالَ: «ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ، ابْنَ آدَمَ، إِنْ تَلْقَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا لَقِيتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً بَعْدَ أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا، ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ إِنْ تُذْنِبْ حَتَّى يَبْلُغَ ذَنْبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ تَسْتَغْفِرُنِي أَغْفِرْ لَكَ وَلَا أُبَالِي» رواه أحمد في المسند، وأخرجه الترمذي،  وحسَّنه الشيخ الألباني.

وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ” المنتخب من مسند عبد بن حميد ج2 ص230، سنن الدارمي ج3 ص1793، سنن ابن ماجه ج2 ص1420.

والله سبحانه هو القائل في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48].

وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.

 

وهذه بشرى أن الله سيبدل سيئاتك حسنات ما دمت تبت وآمنت وعملت عملا صالحا، إن هذا الشعور الذي شعرت به حين عدت إلى الله يدل على صدقك وعمق إيمانك وخوفك من الله، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: 25، 26].

قال الشاعر:

يا نفس توبي فإن الموت قد حانا … واعصي الهوى فالهوى ما زال فتانا

أمــا ترين المــنايا كيف تلقـــطنا … لقــــطاً وتلحــق أخــرانا بأولانا

في كل يوم لــنا ميـت نشـــيعه … نــرى بمصــرعه آثــــار موتــانا

يا نفس ما لي وللأموال أتــركها … خلفي وأخرج من دنياي عريانا

أبعد خمسين قــد قضّيْتها لعـــباً … قد آن أن تقصـري قد آن قد آنا

ما بالنا نتعامى عن مصـــائرنا … ننسى بغفلتنا من ليس ينسانا

نزداد حــرصاً وهذا الدهر يزجرنا … كأن زاجـــرنا بالحــــرص أغــرانا

أين الملوك وأبنــاء الملوك ومـن … كانت تخـــر له الأذقــان إذعـانا

صاحت بهم حادثات الدهر فانقلبوا … مستبدلين من الأوطان أوطانا

خـلوا مدائن كان العــــز مفرشـها … واستفرشوا حفراً غبراً وقيعانا

يا راكضاً في ميادين الهوى مرحـاً … ورافــلاً في ثياب الغيِّ نشوانا

مضى الزمان وولى العمر في لعب … يكفيك ما قد مضى قد كان ما كانا

ما بعد التخلص من المعاصي والذنوب

حتى لا يعودَ الإنسان إلى الذنبِ بعد التخلُّصِ منه، لا بدّ من خطواتٍ عملية:  

لا بدّ أولاً أن يترك الإنسان الأماكن والمَواطِن التي توصله إلى الذنب، فإذا كان هناك مكانٌ معينٌ كان يذهبُ إليه ليرتكب الذنب، فيجب أن يبتعد عنه قدر المستطاع.

ترك صحبة السوء، التي تجرُّ الإنسان إلى الذنب، فالمرءُ على دين خليله، وكل إنسانٍ يتأثر بأصدقائه ومحيطه بلا شك، فلا يُمكِنُ لصاحب سوءٍ أن يدلَّ على الخير، كما أنه لا يمكن لصاحب خيرٍ أن يدل على السوء.

الانشغال بالأعمال المفيدة النافعة، التي تُشغِلُ وقت الإنسان، فلا يفكِّرُ في الذنب إذا انشغلَ بِها، لأن الفراغَ القاتل هو ما يدفعُ الإنسانَ إلى الذنوب، فأحياناً قد يرتكب الإنسان الذنب لمجرَّد أنه يريد قضاء وقت فراغه.!

الذهاب للمسجد، للصلاة وقراءة القرآن، والاستماع للدروس الدينية، فهذا مما يٌساعِدُ على الابتعاد عن الذنب، لأنه سيرٌ في طاعةِ الله.

مُجاهدةُ النَّفس، وعدم الخضوع لكل ما تشتهيه النَّفس وترغبه، فشهواتُ الإنسان كثيرة، لو ركض ورائها فسيقضي عمره كله في الشهوات والمعاصي، فينبغي الحرص على جهاد النفس.

لا بدّ من قطع كل الوسائل التي تؤدي إلى الذنب، فقد يؤدي إلى الذنب نظرةٌ أو كلمةٌ أو غير ذلك من أبسطِ الأشياء، فينبغي الانتباه وعدم الوقوع في شيء من الممكن أن يؤدي للذنب.

معرفة الإنسان أن الله – سبحانه وتعالى- مطَّلِعٌ عليه، واستحضار مراقبة الله عز وجل دائماً، فلا يمكن للإنسان أن يرتكبَ الذنب، وهو يستحضر نظر الله إليه، وعلم الله به وبحاله، فيستحي من الله، وكما قال الشاعر:

وإذا خلوت بريبةٍ في ظُلمةٍ … والنَّفسُ داعيةٌ إلى الطغيان

فاستحي من نظر الإله وقل لها … إن الذي خلق الظلام يراني

الخوف من الله تعالى، فهذا يُبعِدُ الإنسان عن العودة للذنب ويردعه، ويكون الخوفُ من الله، بتذَكُّرِ عذاب الله، واستحضار هيبة الرب جل جلاله، واستصغار العبد لنفسه أمام عظمة الله.

الرجاء في مغفرة الله ورحمته، فلا بدّ أن يعيش الإنسان بين الخوفِ والرجاء، خوف من عذاب الله، ورجاءٌ في رحمة الله، فالأصلُ في الإنسان أن يعيش بين الخوفِ والرجاء، ولا يُغَّلِّبُ أحدَ الأمرين، لأن تغليب أحدِ الأمرين يؤدي بالإنسان إلى الانحراف عن المسار الصحيح، فمن غلَّبَ جانِبَ الخوف، أصابه اليأس والقنوط، فييأس ويستسلم، ويظن أن الله لن يغفر له، وهذا مما يدفعه إلى العودة إلى الذنب مرةً أخرى، يأساً منه واستسلاماً، ومن غلَّب جانب الرجاء، اطمئن واستصغر ذنبه، وأمن على نفسه من مكر الله، فتراه يرتكبُ الذنب ويعود إليه مرةً بعد مرة، بحجةِ أن الله سيغفرُ له، وكأنه وقَّع عهداً مع الله بذلك!

كره الذنوب، والنظر إليها باستخفاف، واحتقارها وعدم إقامة أي وزنٍ لها، وعدم الالتفات لأي مغريات قد تجر إليها.

ويقابلُ ذلك حب الطاعات والأعمال الصالحة، ففرقٌ بين من يعمل عملاً صالحاً لأنّ ذلك واجبٌ عليه، وبين من يعمل الصالحات، حباً فيها ولأنه متعوِّدٌ عليها، لا يستطيع مفارقتها.

الإكثار من ذكر الله عز وجل، بمُختَلَفِ الأذكار، فذكر الله يُطَمْئِنُ القلب، كما قال تعالى: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ‏﴾، والإنسانُ الذي لا يذكر الله، يكون غير مطمئن، قلقاً في حياته، مضطربةً نفسه، وتراه غالباً في همٍ وضيقٍ وحزن لا يفارقه، وهذا نتيجةٌ طبيعية للابتعاد عن ذكر الله.

خاتمة:

إنّ الإنسان منا يعيش في هذه الدنيا كعابرِ سبيلٍ مرَّ على بلدةٍ غريبةٍ، ويريد أن يُكمِلَ طريقه، فيأخذُ منها ما يحتاجه للمسير، ولا يزيدُ على ذلك، وهكذا الدنيا، لا بدّ أن نأخذ منها ما يعيننا على الدار الآخرة، لا أن نغرق فيها وفي شهواتها ومعاصيها، فهذا انشغال عن الغاية بالوسيلة، فالوسيلة لو لم تؤدي إلى الغاية، فلا حاجة لنا بها.