ما هي أكثر الطاعات التي تؤثر فيك في رمضان؟





   
الصفحة الرئيسية  إلى جوار الحبيب    فرسان النور
فارس التوبة  
|


الثلاثاء 30 من ذو القعدة 1430 هـ 17-11-2009 م  06:00 ص(مكة المكرمة)  03:00 ص(جرينتش)
تقييم الموضوع: 
التقييم:8
عدد المقيمين:3
عدد الزوار: 171

 
.

فارس التوبة

وهل للتوبة فرسان؟ نعم ونعمين، فعندما تركن النفس لزخرف المخالفة، وتضعف أمام هاتف الغواية، حينئذٍ تكون المواجهة الشرسة في ميدان النفس لتأديبها بسلوك طريق التوبة، وعندما تفترش طريقَ التوبة الابتلاءاتُ التي تثني التائب عن المضي قدمًا في توبته، حينئذٍ تكون معركة الثبات على الحق والمبدأ، وكل ذلك يحتاج إلى فارس.
نعم فارس يواجه نفسه بحقيقة تقصيرها بكل شجاعة، فارس يحمل نفسه طوعًا أو كرهًا على اقتلاع جذور الشر منها، فارس يمضي بعزم في طريق توبته، لا يلتفت عنه يمنة أو يسرة، فقد حدد طريقه ومضى فيه بهمة تناطح السحاب، وعزم لا يفله الحديد.
إنه كعب بن مالك الذي كان فارسًا على طريق التوبة والأوبة، فلأنه بشر فقد اعتراه ما يعتري البشر من ضعف، لكنه لم يرضخ لضعفه، ولم يستسلم لهواه، إنما نهض مستنهضًا عزمه وهمته، لكي يصحح مساره، ويتدارك ما فاته، ويسد ثلمة أصابت صرح إيمانه.
وتبدأ قصتنا مع فارس التوبة من حين نادى المنادي: حي على الجهاد، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يستنفر الناس في حر شديد لشد الرحال والسفر إلى مكان بعيد، إلى ملاقاة الروم في تبوك، ولم يكن فارسنا قد تخلف عن غزو مع رسول الله، إلا بدرًا فإنه لم يشهدها، حيث خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعقب عيرًا لقريش، ولم يلزم أحدًا بالخروج، ولو علم كعب أن ثمة معركة لما تأخر قيد أنملة عن صحبة الرسول في أرض الميدان، فنفسه إلى الشهادة تواقة، وإلى جنان الخلد مشتاقة، وإلى نصرة الإسلام سباقة.
لذا آلمه وأحزنه أن لم يشهد بدرًا، وظل يشهد المواطن مع الرسول يدافع عن بيضة الإسلام، إلى أن جاءت "تبوك"، والتي صرح فيها النبي على غير عادته بالوجهة التي يريد.
الثمار على الأشجار قد طابت، حان وقت حصادها، تسحر النفس بمنظرها الخلاب الذي ينادي على الشراة، سيكون الحصاد، ومن بعده البيع المربح، وهنا حدَّثت كعبًا نفسُه بالتمهل، وأغراه الهوى بأن به قوة، وسيتمكن من اللحاق بركب رسول الله وإن تأخر عنه.
الرسول قد غادر، وما زال التسويف يتلاعب بكعب، ويزخرف له هواه التمهل، حتى أبعد النبي بجيشه، وطالت المسافات، فلم يقدَّر لكعب اللحوق برسول الله وجيشه.
ها هو كعب في المدينة لا يرى في المدينة بعد خروج رسول الله إلا من كان متهمًا بالنفاق، أو عذره الله لضعف أو مرض، وتفجرت ينابيع الندم في قلب كعب بن مالك، وشعر بحقيقة ما ارتكبه في حق نفسه، لقد حرمها من فضل الغزو مع الحبيب، وعرضها لعقاب الله نتيجة تخلفه عن القتال بغير عذر.
وهذه طبيعة النفس المؤمنة، تلوم صاحبها على التقصير، ولشرفها أقسم رب العزة بها إذ قال: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [القيامة: 1-2]، إنها النفس التي تلوم صاحبها على الخير والشر، وهكذا سلك كعب أول طريق التوبة من ذنبه، بالندم على ما فعل، وهو دليل رغبة صادقة في التوبة والإنابة.
وما إن بلغ رسول الله تبوك حتى قال وهو جالس مع أصحابه: (ما فعل كعب بن مالك)، فقام رجل من بني سلمة يقول: يا رسول الله، حبسه برداه والنظر في عطفيه، وهنا ينبري معاذ بن جبال للذب عن عرض أخيه في غيبته، وقال: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا.
وتصل الأنباء إلى المدينة بأن رسول الله وأصحابه في طريق العودة من تبوك، وأما كعب فقد ظل يتقلب على نار الحيرة، فكيف سيواجه النبي صلى الله عليه وسلم، لقد ظل كعب يفكر ويفكر فيما يقوله للنبي، ويستشير في ذلك أولي الرأي، ويقترح بينه وبين نفسه سأقول كذا، أو كذا، لكنه أدرك أن الصدق منجاة، وأن الكذب لن ينطلي على من يسمع ويرى دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء، فعزم كعب على أن يصدق رسول الله في الحديث.
ولما قدم النبي المدينة بدأ كعادته بالمسجد وصلى فيه ركعتين، ثم جلس للناس، وجاءه المخلفون يعتذرون إليه ويقسمون له على أعذارهم، فقبل منهم رسول الله علانيتهم ووكل سرائرهم إلى خالقهم سبحانه وتعالى.
أما كعب فقد جاء إلى النبي فتبسم له رسول الله تبسم المغضب، وسأله عن سبب تخلفه عن الغزو، وهنا أجابه كعب بكل صدق يرجو به من الله النجاة، فأخبره أنه ذو حجة في كلامه، وأنه لو تكلم مع غير رسول الله لاستطاع إقناعه، لكنه لن يخدع ربه الذي قد يفضحه بالوحي من عنده، وأنه آثر الصدق على الكذب، وأنه لم يكن به عذر في تخلفه عن رسول الله.
فأقر النبي بصدقه وقال: (أما هذا فقد صدق قم حتى يقضي الله فيك)، وخرج كعب من عند النبي وهو يجتر أحزانه، وعلم أن مرارة بن الربيع وهلال بن أميه كانوا على مثل حاله في تخلفهم عن رسول الله وصدقهم في الحديث معه.
لقد أخطأ كعب، وكان من صدق توبته أن يتحمل عاقبة خطئه، ويصبر على الابتلاءات التي نزلت به ليختبر بها صدقه في التوبة إلى الله.
كان أول هذه الابتلاءات أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المسلمين ألا يكلموا كعبًا وصاحبيه، فأما هلال ومرارة فاستكانا في بيوتهما وقعدا يبكيان، وأما كعب فكان أقواهم وأشبهم، فكان رغم مرارة الهجران من قِبَل المجتمع الإسلامي بأسره، وعلى وجه الخصوص رسول الله الذي لا تطيق الأعين عنه غيابًا، كان رغم ذلك يخرج لشهود الصلاة مع المسلمين، فيا له من واقع مؤلم لكعب.
لقد كان يخرج إلى المسجد وإلى الأسواق لا يكلمه أحد استجابة لأمر الله ورسوله، وكأن القوم لا يعرفونه، وكأنه غريب في الديار، ليست الأرض هي الأرض، وليست الحياة هي الحياة، كرب شديد ألمَّ بكعب، وزاده همًا أنه كان إذا سلم على رسول الله وهو في مجلسه لم يتبين هل رد عليه النبي السلام أم لا، ويصلي كعب بجانبه ويختلس النظر إلى الحبيب، فإذا صلى نظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا التفت كعب إليه أعرض النبي عنه، ابتلاء شديد وأيام عصيبة تلك التي يمر بها كعب بن مالك.
يمشي مهتمًا مستوحشًا حياته، ويتسور حديقة ابن عمه وأحب الناس إليه:أبي قتادة، فسلم عليه، فما رد ابن عمه السلام عليه، لأنهم قوم جعلوا طاعة الله ورسوله فوق أي اعتبار وفوق كل وشيجة وصلة، فقال كعب والأسى يكتنفه: يا أبا قتادة، أنشدك الله، هل تعلم أني أحب الله ورسوله، فسكت ابن عمه، فلما أعاد عليه كعب السؤال، أجاب: الله ورسوله أعلم، ففاضت عينا كعب بدموعهما الحارة، ويبلغ الكرب منه مبلغه.
فخرج كعب يمشي إلى الأسواق غير عالم بما ينتظره من امتحان صعب في وقت عصيب، وفتنة كبيرة تطل برأسها، لقد سمع ملك غسان بما أحل بكعب شريف قومه، فأراد أن يستغل الحدث لصالح الباطل، وهكذا دائمًا أهل الفجور، يتحينون أوقات الضعف في أهل الخير، لكي يثنوهم عن المضي في طريق الطاعة والإيمان، فأرسل ملك غسان أحد رجاله برسالة مكتوبة إلى كعب يخبره بمعرفته بأحواله الأخيرة بكلمات تفوح منها رائحة الخبث العفنة: لقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك.
المجتمع الأسلامي بأسره قد هجر كعبًا، وحرم من الحديث مع النبي والذي به يطيب عيش البؤساء، وجاءه هذا العرض الثمين، سيكون جليس الملك، الرفاهية والجاه والسلطان، فماذا ستفعل يا كعب أمام تلك الإغراءات؟
لو كان كعب غير صادق في التوبة، ولم تخالط بشاشة الإيمان قلبه، لكان على أفضل التقديرات سيفكر قليلًا، لكن الفارس هو كعب، ذلك الصادق الأواب، الذي آثر رضا مولاه على زخرف الدنيا الزائل، فما تردد لما أتاه العرض أن يقول بعد قراءة آخر سطور الرسالة: وهذا أيضًا من البلاء، ثم توجه إلى التنور لإحراقها، لتكون هذه رسالة من كعب ليس إلى الملك فقط، ولكنها رسالة إلى نفسه، يقطع عليها طريق الغواية والضلال، ويؤذنها بثباته على الحق مهما عصفت به الأيام بشدائدها.
ولما مضت أربعون ليلة على هذا الكرب، جاءه الأمر من رسول الله بأن يعتزل امرأته ولا يقربها، وعلى الفور لم يتردد كعب، وأمر زوجته باللحوق بأهلها، فلن تبقى معه تواسيه أو تخدمه أو تراعيه، ستزداد الوحدة والوحشة، ولكن لا يهم ذلك، إنه قد تاب ولا بد وأن يصبر على درب التوبة حتى يلقى الله تعالى، وظل على هذه الحال عشرة أيام، فتكامل له خمسون يوما منذ بداية الكرب الشديد.
وبعد صلاة فجر اليوم الخمسين، وبينما كعب يجلس على سطح بيته مغمومًا مهمومًا قد ضاقت عليه نفسه، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، إذ سمع صوتًا عاليًا يهتف: يا كعب بن مالك أبشر، فما إن سمع هذه الكلمة حتى خر ساجدًا شاكرًا لله، قد علم أن الفرج قد أتى من عند الرحمن الرحيم.
وأعطى ثوبيه من جاءه بالبشرى، وانطلق كعب إلى رسول الله، والناس يتلقونه أفواجًا يبشرونه ويهنئونه والفرحة تغمرهم، سبحان الله، من رآهم في ذلك الوقت، لم يكن ليصدق أنهم كانوا الذين قاطعوا كعبًا وصاحبيه طوال خمسين يومًا، ولكنها الاستجابة لأمر الله ورسوله.
ودخل كعب إلى حيث رسول الله والذي كان وجه يبرق من السرور، فقال لكعب: (أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك)، عبارة هزت وجدان كعب، جعلت قلبه يطرب، وأسكبت ماءً باردًا على قلب كعب المحموم، دفعته لأن يسأل رسول الله في حرص وفضول: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ فيخبره الحبيب أنه من عند الله.
فبشراك يا كعب بتوبة من عند الله، وبقرآن نزل فيك وفي صاحبيك، من لدن عزيز حكيم: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 118].
بشراك يا فارس التوبة يا من نهضت بعد عثرتك ولم تركن إليها، يا من صدقت في توبتك وتحملت الشدائد والكرب لتثبت على درب توبتك، يا من صمدت أمام المغريات والفتن، حتى تصح توبتك إلى ربه، يا من صححت مسارك بعد التوبة حتى أنك لم تكذب كذبة واحدة بعدها لما رأيته من فضيلة الصدق، يا من دفعت ضريبة الخطأ عن طيب خاطر، لأنك ترغب في رضا الرحمن وتؤثره على كل شيء، فلله درك من فارس: فارس التوبة.


 

لا توجد أناشيد متاحة
لا توجد فلاشات متاحة
لا توجد محاضرات متاحة
لا توجد مرئيات متاحة
لا توجد كتب متاحة
لا توجد مقالات متاحة
    

Developed by: ITGates                                                         Designed by: Spots Design                                                                    عدد الزوار :32203