ما هي أكثر الطاعات التي تؤثر فيك في رمضان؟





   
الصفحة الرئيسية  هيا بنا نؤمن ساعة    أنوار القلوب
حسبنا الله ونعم الوكيل  
|


الثلاثاء 16 من ذو القعدة 1430 هـ 03-11-2009 م  06:00 ص(مكة المكرمة)  03:00 ص(جرينتش)
تقييم الموضوع: 
التقييم:8
عدد المقيمين:3
عدد الزوار: 146

 
.

حسبنا الله ونعم الوكيل

حسبنا الله ونعم والوكيل، كلمة جليلة، لها ارتباط وثيق بقلب كل مؤمن عرف ربه، وعلى رأسهم أنبياء الله ورسله، فقد جرت تلك العبارة الجليلة على ألسنتهم في أحلك المواقف وأشدها، قال ابن عباس: ({حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}، قالها إبراهيم عليه السلام حين أُلْقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173]) [تفسير ابن كثير، (2/169)].
       إن هذه الكلمة لتجسد حقيقة عبادة عظيمة من عبادات القلب، تضرب بجذورها في تربته، فينشأ عنها سلوك للجوارح يرضي الله تبارك وتعالى.
       إنها تعبر عن التوكل على الله تعالى، تلك العبادة العظيمة التي هي سمة الموحدين الذين عاشوا في ظلال رياض التوحيد النضرة، وتمكنت معرفة الله وتعظيمه وتوقيره واستشعار قدرته في قلوبهم، فأووا إلى ركن شديد، لجأوا إلى الله تبارك وتعالى، وفوضوا أمورهم إليه، واعتمدت قلوبهم عليه، فكفاهم الله تعالى وكان حسبهم ونعم الوكيل.
فيض الفضائل:
       ذكر الله تعالى التوكل في أعظم المقامات وأشرفها، فقال في مقام العبادة وهي الغاية من خلق العباد: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [هود: 123].
       وذكر الله التوكل في مقام الدعوة إلى الله تعالى، فقال عز وجل مخاطبًا نبيه نوح عليه السلام في أمر الدعوة: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآَيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ} [يونس: 71].
       وذكر الله التوكل في مقام الحكم والقضاء: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [الشورى: 10].
       وذكر الله التوكل في مقام الجهاد في سبيله: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران: 121].
       وذكر الله تعالى التوكل في مقام الشورى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159].
وذكر الله التوكل في مقام الرزق: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: 2-3]) [مستفاد من سلسلة أعمال القلوب، المنجد، ص(18-20)].
ويكفي المتوكل على الله تعالى أن الله يحبه: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}، ويرشد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى استجلاب الرزق بحسن التوكل على الله فقال: (و أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لرزقتم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا) [رواه الترمذي، (2344)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، (3344)].
وجعل الله تعالى التوكل من أسباب دخول العبد جنة الرحمن بلا حساب ولا عذاب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يدخل الجنة من أمتى سبعون ألفا بغير حساب، هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون) [متفق عليه، رواه البخاري، (6472)، ورواه مسلم، (547)].
وبلغ من عظم شأن التوكل أن عده ابن القيم رحمه الله نصف الدين، فقال رحمه الله: (التوكل نصف الدين والنصف الثاني الإنابة فإن الدين استعانة وعبادة فالتوكل هو الاستعانة والإنابة هي العبادة) [مدارج السالكين، ابن القيم، (2/113)]، ثم بين منزلته فقال: (ومنزلته أوسع المنازل وأجمعها ولا تزال معمورة بالنازلين لسعة متعلق التوكل وكثرة حوائج العالمين وعموم التوكل ووقوعه من المؤمنين والكفار والأبرار والفجار والطير والوحش والبهائم فأهل السموات والأرض المكلفون وغيرهم في مقام التوكل وإن تباين متعلق توكلهم فأولياؤه وخاصته يتوكلون عليه في حصول ما عليه في الإيمان ونصرة دينه وإعلاء كلمته وجهاد أعدائه وفي محابه وتنفيذ أوامره.
 ودون هؤلاء من يتوكل عليه في استقامته في نفسه وحفظ حاله مع الله فارغا عن الناس،  ودون هؤلاء من يتوكل عليه في معلوم يناله منه من رزق أو عافية أو نصر على عدو أو زوجة أو ولد ونحو ذلك، ودون هؤلاء من يتوكل عليه في حصول الإثم والفواحش) [المصدر السابق، ((2/113-114)].
المتوكلون:
       إنهم أناس قد اعتصموا بربهم، وألجأوا إليه ظهورهم، واعتمدت عليه قلوبهم، فقالوا بلسان الحال أو المقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فإليك طرف من أخبارهم، فحديثهم يجلي الفؤاد الصادي:
إن معي ربي:
لما خرج موسى عليه السلام بقومه من بطش فرعون، وعلم فرعون بنبأ الهروب، فجمع جنوده، {فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ} [الشعراء: 60]، أدركوا موسى وقومه عند طلوع الشمس، {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ} [الشعراء: 61]، صار كل من الفريقين يرى صاحبه، قال أصحاب موسى: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}، سيدركنا فرعون وجنوده ويقضون علينا، وبلهجة الواثق بربه المتوكل على جنابه، قال موسى بكل يقين: {كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 62]، لن يصل إلينا ما تحذرون، فكانت عاقبة توكله على ربه: {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء: 63]، وكان هارون في المقدمة ومعه يوشع بن نون، وجعل الأخير يقول يا نبي الله: ها هنا أمرك الله أن تسير؟ فيقول: نعم،.
 واقترب فرعون وجنوده، ولم يبق إلا القليل، فعند ذلك أمر الله نبيه موسى أن يضرب بعصاه البحر، فضربه، وقال: انفلق بإذن الله، فانفلق البحر كالجبل الكبير، وصار البحر اثني عشر طريقًا بعدد الأسباط، وصار الطريق بينهما يابسة سار عليها موسى وأتباعه، حتى إذا جاوزوا وسار فرعون بجنوده في نفس الطريق أمر الله تعالى البحر فالتأم عليهم [انظر تفسير ابن كثير، (6/143-144)].
خشبة المقترض:
       قصة عظيمة يحكيها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، توضح حال أحد المتوكلين على الله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه ذكر رجلا من بنى إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بالشهداء أشهدهم، فقال كفى بالله شهيدا.
قال: فأتني بالكفيل، قال: كفى بالله كفيلا، قال: صدقت، فدفعها إليه إلى أجل مسمى، فخرج فى البحر، فقضى حاجته، ثم التمس مركبا يركبها، يقدم عليه للأجل الذى أجله، فلم يجد مركبا، فأخذ خشبة، فنقرها فأدخل فيها ألف دينار، وصحيفة منه إلى صاحبه، ثم زجج موضعها، ثم أتى بها إلى البحر، فقال: اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفت فلانا ألف دينار، فسألني كفيلا، فقلت: كفى بالله كفيلا، فرضي بك.
 وسألنى شهيدا، فقلت: كفى بالله شهيدا، فرضي بك، وأني جهدت أن أجد مركبا، أبعث إليه الذى له فلم أقدر، وإني أستودعكها، فرمى بها فى البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف، وهو في ذلك يلتمس مركبا، يخرج إلى بلده، فخرج الرجل الذى كان أسلفه، ينظر لعل مركبا قد جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبا.
 فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الذي كان أسلفه، فأتى بالألف دينار، فقال: والله ما زلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت مركبا قبل الذي أتيت فيه، قال: هل كنت بعثت إلي بشيء قال: أخبرك أني لم أجد مركبا قبل الذى جئت فيه، قال: فإن الله قد أدى عنك الذى بعثت فى الخشبة فانصرف بالألف الدينار راشدًا) [رواه البخاري، (2291)].
أغرب عبور في التاريخ:
       سيظل التاريخ يشهد بذهول على ذلك العبور العظيم، عبورسعد بن أبي وقاص بجيشه المؤمن النهر في فتح المدائن، ولعلك تقول في نفسك وما وجه الغرابة في ذلك، وما زال الناس يعبرون بسفنهم الأنهار والبحار؟!
       ستعجب عندما تعلم أنه كان على سعد أن يعبر بجيشه النهر لفتح المدائن، ولكن المشكلة أن أكثر المسلمين كانوا لايحسنون السباحة، وكانت الحامية الفارسية على الشاطئ الآخر، فكانت مخاطرة قصوى أن يعبر المسلمون في ظل هذه الظروف.
       ولكن سعدًا كان قد رأى رؤيا خير، فعزم على أمر لم يجد بدًا منه، حيث قد انقطعت به أسباب العبور، فاتخذ سعد بعدما دعا ربه جل وعلا أن يخوض بجيشه النهر على ظهور الخيل، توكلًا منه على ربه سبحانه، بعدما فرغت من بين يديه الأسباب، وكانت المفاجأة أن الجنود كلهم قد رحبوا بالفكرة الغريبة، لأنهم قد امتلأت قلوبهم توكلًا على ربهم سبحانه وتعالى.
       وبدأ سعد يعبر وهو يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، ومن خلفه جنوده المؤمنون، فامتلأت صفحة الماء بخيول العبور العظيم، وكان السكينة والطمأنينة تكتنف كتائب الإيمان، حتى كان الواحد منهم يسير جنبًا إلى جنب بخيله بجانب أخيه ويحادثه وكأنه في نزهة [انظر القصة في تاريخ الطبري، والكامل في التاريخ والبداية والنهاية....].
حقيقة غائبة:
       البعض يظن أن التوكل هو الاعتماد على الله دون مباشرة الأسباب، وهذا إنما يسمى التواكل لا التوكل، فحقيقة التوكل هي صدق الاعتماد على الله مع مباشرة الأسباب، فالله سبحانه قد أمر بالأخذ بالأسباب، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ بالأسباب، فتراه في رحلة الهجرة يختبئ ويسير في طريق غير معهود للناس، أخذًا بالأسباب، وتراه في الحرب يلبس لأمة الحرب والدرع، كل ذلك وهو رسول الله وسيد المتوكلين على الله، وما ذلك إلا لأنه يعلم حقيقة التوكل.
لذلك لا نعجب أن الله تعالى يأمر مريم عندما جاءها المخاض بأن تهز جذع النخلة حتى تساقط عليها رطبا جنيًا، يغذيها ويسهل عليها الولادة، قال تعالى: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} [مريم: 25].
       (فتخيل حال امرأة ضعيفة في حال النفاس،أضعف ماتكون المرأة، والنخلة شجرة قوية جذعها قوي، ولكن الله قال: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ}، ولكن بالسبب الضعيف جعل النتيجة..!
 كان من الممكن أن يسقط الثمر بلا هز، وماذا يغني الهز من امرأة ضعيفة لشجرة قوية؟ ولكن ليعلم العباد الأخذ بما أمكن من الأسباب) [أعمال القلوب، المنجد، ص(25)].
توكل على الرحمن في كل حاجة ولا تؤثرن العجز يومًا على الطلب
ألم تر أن الله قال لمريم            إليك فهزي الجذع يساقط الرطب
ولو شاء أن تجنيه من غير هزها  جنَتْهُ ولكن كل شيء له سبب


 

لا توجد أناشيد متاحة
لا توجد فلاشات متاحة
لا توجد محاضرات متاحة
لا توجد مرئيات متاحة
لا توجد كتب متاحة
لا توجد مقالات متاحة
    

Developed by: ITGates                                                         Designed by: Spots Design                                                                    عدد الزوار :32204