الحصاد المر
إن من أعظم أسباب الإقدام على الذنب، عدم التفكر في عاقبته، فلو استحضر العبد من بعد علم ما للذنوب من آثار وعواقب، لسعى في أن يلجم نفسه بلجام التقوى، وكلما كان مستحضرًا مغبة الذنب كلما كان عنه أبعد.
إن الذنوب وإن كانت لها لذة وقتية تلبي نداء الهوى، إلا أن حصادها مر، فما عساه أن يجني العبد من عصيان خالقه غير الشوك المر، فإنه لا يستوى المحسن والمسيء: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21]، والفطن من أدرك عاقبة الذنب وكان على حذر منه.
التحذير القيم:
جرى به قلم ابن القيم، والذي خبر عاقبة الذنوب بطول المراقبة والمشاهدة، فها هو يقول في إحدى درره القيمة: (فما ينبغي أن يعلم أن الذنوب والمعاصى تضر ولا شك أن ضررها فى القلوب كضرر السموم في الابدان على إختلاف درجاتها في الضرر وهل فى الدنيا والآخرة شرور وداء الأسببه الذنوب والمعاصى فما الذي أخرج الأبوين من الجنة دار اللذة والنعيم والبهجة والسرور الى دار الآلام والاحزان والمصائب وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء وطرده ولعنه ومسخ ظاهره وباطنه فجعلت صورته أقبح صورة وأشنعها وباطنه أقبح من صورته وأشنع وبدل بالقرب بعدًا وبالرحمة لعنة وبالجمال قبحًا وبالجنة نارًا تلظى وبالايمان كفرًا وبموالات الولى الحميد أعظم عداوة ومشاقة وبزجل التسبيح والتقديس والتهليل زجل الكفر والشرك والكذب والزور والفحش وبلباس الايمان لباس الكفر والفسوق والعصيان فهان على الله غاية الهوان وسقط من عينه غاية السقوط وحل عليه غضب الرب تعالى فاهواه ومقته أكبر المقت فأرداه فصار قوادًا لكل فاسق ومجرم رضي لنفسه بالقيادة بعد تلك العبادة والسيادة فعياذا بك اللهم من مخالفة أمرك وإرتكاب نهيك.
وماالذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رأس الجبال وما الذي سلط الريح العقيم على قوم عاد حتى ألقتهم موتي على وجه الارض كأنهم أعجاز نخل خاوية ودمرت مامر عليه من ديارهم وحروثهم وزروعهم ودوابهم حتى صاروا عبرة للامم الى يوم القيامة.
وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتي قطعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم وماالذي رفع قرى اللوطية حتي سمعت الملائكة نبيح كلابهم ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها فاهلكم جميعا ثم أتبعهم حجارة من سجيل السماء أمطرها عليهم فجمع عليهم من العقوبة ما لم يجمعه علي أمة غيرهم ولاخوانهم أمثالها وما هي من الظالمين ببعيد وما الذي أرسل علي قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل فلما صار فوق رؤسهم أمطر عليهم نارًا تلظى.
وما الذى أغرق فرعون وقومه في البحر ثم نقلت أرواحهم إلى جهنم فالاجساد للغرق والارواح للحرق.
وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله وما الذي أهلك القرون من بعد نوح بانواع العقوبات ودمرها تدميرًا.
وما الذي أهلك قوم صاحب يس بالصيحة حتي خمدوا عن آخرهم وما الذي بعث على بنى إسرائيل قومًا أولى بأس شديد فجاسوا خلال الديار وقتلوا الرجال وسبوا الذراري والنساء وأحرقوا الديار ونهبوا الأموال ثم بعثهم عليهم مرة ثانية فأهلكوا ما قدروا عليه وتبروا ما علو تتبيرا.
وما لذي سلط عليهم بانواع العذاب والعقوبات مرة بالقتل والسبي وخراب البلاد ومرة بجور الملوك ومرة بمسخهم قردة وخنازير) [الجواب الكافي، ابن القيم، ص(26-27)].
وهذة جولة سريعة لا بد منها، لكي نقف معًا على حصاد الذنوب، علَّ القلوب تتعظ، والأركان تنزجر.
حرمان نور العلم:
(فإن العلم بشريعة الله نور يقذفه الله في القلب، والمعصية تطفئ ذلك النور، ولما جلس الإمام الشافعي بين يدي مالك وقرأ عليه، أعجبه ما رأى من وفور فطنته، وتوقد ذكائه، وكمال فهمه، فقال: إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورًا، فلا تطفئه بظلمة المعصية، وقال الإمام الشافعي رحمه الله:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال: اعلم بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي) [هزة الإيمان، فريد مناع، ص(178)]
ولقد قلنا حرمان نور العلم، ولم نقل حرمان العلم، فكم من رجل أوتي علمًا على ضلالة ولم ينتفع بنور العلم، ولم يرفعه الله به، وذلك كمن قال فيه المولى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ} [الأعراف:175-176].
حرمان الرزق:
فالله عز وجل قد قدر الأرزاق باسبابها، ومن أسبابها تقوى الله، فعٌلم من ذلك أن عاقبة الذنب حرمان الرزق، ولقد أخبر بعضهم أنه كان يقرأ في آثار الذنوب والمعاصي ومنها حرمان الرزق، وقد ذهب إلى إحدى المتاجر يشتري ما يلزمه، فوجد صاحب المتجر يستمع إلى الغناء والموسيقى، فخرج من المتجر ولم يشتر ما يريد، وذهب إلى متجر آخر، وفي الطريق قال في نفسه: سبحان الله، لقد كاد الرجل أن يُرزق، وأتاه الرزق إلى حيث يجلس، لكنه بتلك المعصية قد حٌجب عنه رزقه.
ولا يغرنك أيها الحبيب رؤية بعض أهل الفساد في رغد من العيش، فربما كان سيأتيهم المزيد لو سلكوا طريق الطاعة، ومن ناحية أخرى فإنهم لا يجدون البركة في أموالهم، ومن ناحية ثالثة فإن هذا لهم بمثابة استدراج: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} [القلم: 44]، فها هو النبي صلى الله عليه وسلم يقرر هذه الحقيقة: (إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج ثم تلا رسول الله صلى الله عليه و سلم {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون) [رواه أحمد، (17349)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، (413)].
المعصية تورث المعصية:
فالمعاصي تزرع أمثالها، قال ابن القيم رحمه الله: (المعاصي تزرع أمثالها وتولد بعضها بعضا حتى يعز على العبد مفارقتها والخروج منها كما قال بعض السلف أن من عقوبة السيئة السيئة بعدها وأن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها فالعبد إذا عمل حسنة قالت أخرى الى جنبها أعملني أيضا فاذا عملها قالت الثانية كذلك وهلم جرا فيتضاعف الربح وتزايدت الحسنات وكذلك كانت السيئات أيضا حتي تصير الطاعات والمعاصي هيئات راسخة وصفات لازمة وملكات ثابتة) [الجواب الكافي، ابن القيم، ص(36)].
موت القلوب:
فالقلب هو محل الهداية والضلال، ومادة حياته معرفة الله وطاعته، والذي يقر على معصية ربه يغلفه الران وهو طبقة تحيط به كما قال المولى سبحانه: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14]، ولا يزال هذا الران على قلب العبد حتى يحجب عنه نور الإيمان، فيموت القلب فلا تؤثر فيه موعظة ولا تنفعه وصية.
رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها
هوان العاصي على الله:
فالمعصية سبب لهوان العبد على ربه وسقوطه من عينه، قال الحسن البصري: (هانوا عليه فعصوه، ولو عزوا عليه لعصمهم)، وإذا هان العبد على الله لم يكرمه أحد، كما قال الله تعالى: {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ} [الحج: 18]، وإن عظمهم الناس في الظاهر لحاجتهم إليهم، أو خوفًا من شرهم، فهم في قلوبهم أحقر شيء وأهونه) [هزة الإيمان، ص(180)].
سوء الخاتمة:
فكل ما ألفه الإنسان في حياته، يعود ذكره عند موته، فإن كان الغالب عليه طاعة الله تذكرها وكان في قلبه شوق إليها وربما أداها قبل مماته، وإن كان الغالب عليه المعصية ألفها وتعود عليها وعاد ذكرها موته فكان في قلبه شوق إليها وربما فعلها قبل موته فتسوء خاتمته.
ولقد حكى ابن القيم عن غير واحد ممن ألفوا المعصية فساءت خواتيمهم، قال رحمه الله: (وقيل لآخر قل لا إله إلا الله فجعل يهذي بالغناء ويقول تاتا ننتنتا فقال وما ينفعني ما تقول ولم أدع معصية الا ركبتها ثم قضى ولم يقلها، وقيل لآخر ذلك فقال وما يغني عني وما أعلم اني صليت لله تعالى صلاة ثم قضى ولم يقلها) [الجواب الكافي، ابن القيم، ص(62)].
تجرؤ المخلوقات على العاصي:
فالعبد الذي يسلك سبيل طاعة مولاة، يلقي الله المهابة منه في قلوب الناس، فيحترمونه ويوقرونه، أما المعصية فتجعل المخلوقات تتجرأ على صاحبها، قال أحد السلف: (إني لأعصي الله فارى ذلك في خلق دابتي وإمرأتي) [الجواب الكافي، ص(35)].
وعلى صعيد الأمم والدول، بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: (يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها)، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ قال: (بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله فى قلوبكم الوهن)، فقال قائل يا رسول الله: وما الوهن قال (حب الدنيا وكراهية الموت) [رواه أبو داود، (4299)، وصححه الالباني في صحيح سنن أبي داود، (4297)].
الكوارث والزلازل:
وكان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يدركون ذلك، قال ابن الجوزي: (عن صفية قالت: زلزلت المدينة على عهد عمر رضي اللّه عنه، فقال: أيها الناس ما أسرع ما أحدثتم، لئن عادت لا أساكنكم فيها) [المنتظم، ابن الجوزي، (2/34)].
بل يعود على الدواب شؤم المعصية، قال ابن القيم رحمه الله: (ومنها أن غيره من الناس والدواب يعود عليه شؤم ذنبه فيحترق هو وغيره بشؤم الذنوب والظلم قال أبو هريرة إن الحباري لتموت في وكرها من ظلم الظالم وقال مجاهد إن الهائم تلعن عصاة بنى آدم إذا أشتدت السنة وأمسك المطر وتقول هذا بشؤم معصية ابن ادم وقال عكرمة دواب الارض وهوامها حتي الخنافس والعقارب يقولون منعنا القطر بذنوب بني آدم فلا يكفيه عقاب ذنبه حتي يبوء بلعنه من لا ذنب له) [الجواب الكافي، ص(38)].
فاحذر أيها الحبيب ذلك الحصاد المر، ولا تستهن بصغر المعصية وانظر إلى عظمة من تعصي، واسلك سبيل الطاعات، تنل سعادة الدارين، وفقني الله وإياك لما يحب ويرضى، وعصمني وإياك من الزلل.