الملحمة
ما يزال التاريخ يهل علينا من فيض عطائه الوافر، يقص علينا أنباء أفضل ثلة عرفها وتشرف بحفظ مآثرها، وفي هذه المرة يطالعنا بقصة بطل آخر من أبطال المدرسة النبوية، إنه البطل الجليل الذي ضرب لنا القدوة في البذل والتضحية والعطاء، إنه الفتى الذي كان مدللًا لا يعرف سوى العيش في الرغد والنعيم والتعطر بأثمن الرياحين، فإذا به يبيع كل ذلك من أجل رب العالمين، هل عرفتم عمن نتحدث؟ إننا نتحدث عن مصعب بن عمير أو مصعب الخير كما كان لقبه بين إخوانه من المسلمين.
قبل الإسلام:
والآن استرجع معكم صفحات التاريخ لتخبرنا عن نبأ ذلكم الشاب الريان، قبل أن يتخلل نور الإيمان قلبه، لقد كان مصعب ابن عمير أنعم فتى في مكة، و(كان فتى قريش المدلل أكثر الناس استماعًا لهذا الحديث، ذلك أنه كان على الرغم من حداثة سنه، زينة المجالس والندوات، تحرص كل ندوة أن يكون مصعب بين شهودها، ذلك أن أناقة مظهره ورجاحة عقله كانتا من خصال ابن عمير التي تفتح له القلوب والأبواب) [رجال حول الرسول، خالد محمد خالد، (1/1)].
يقول سعد بن أبي وقاص: (كنا قوما يصيبنا ظلف العيش بمكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أصابنا البلاء اعترفنا ومررنا عليه، فصبرنا وكان مصعب بن عمير أنعم غلام بمكة وأجوده حلة مع أبويه) [أسد الغابة، ابن الأثير، 1/ 1016].
نقلة بعيدة:
وقد أسلم مصعب رضي الله عنه، ومع أول يوم في ثوب إيمانه الجديد انتقل مصعب نقلة بعيدة، ترك رغد العيش والنعيم والتدليل خلفه ظهريًا، أتدرون لماذا؟ لأنه وقع في الاختيار إما أن تظل في نعيمك ورغدك، وتصد عن دعوة الإسلام، أو تترك كل ذلك راغبًا فيما عند الله، وهنا كان على مصعب أن يختار، لكن الشاب الريان لم يداعبه التفكير كثيرًا ولم يتلعثم لسانه في الجواب، لأنه رأى نور الإيمان بعينيه، ولامس قلبه برد الإسلام، واكتحلت عينه بخير الأنام صلى الله عليه وسلم، فأنى للقلوب التي رأت النور أن تهوى الظلام.
من أجل ذلك اختار مصعب حياة السعداء في ظلال الإيمان وفي رضا رب العالمين سبحانه وتعالى، فكان من فضلاء الصحابة وخيارهم ومن السابقين إلى الإسلام، أسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الأرقم، وكتم إسلامه خوفًا من أمه وقومه، وكان يختلف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سرًا، فبصر به عثمان بن طلحة يصلي فأعلم أهله وأمه فأخذوه فحبسوه، فلم يزل محبوسًا إلى أن هاجر إلى أرض الحبشة، وعاد من الحبشة إلى مكة، ثم هاجر إلى المدينة بعد العقبة الأولى ليعلم الناس القرآن ويصلي بهم.
قمة العطاء:
جاءت اللحظة المنتظرة التي كان مصعب ينتظرها ليبرهن على حبه لله عز وجل ودينه تبارك وتعالى فقد أرسله نبيه صلى الله عليه وسلم داعيًا على أرض المدينة، ونحسب أن الأخلاص قد بلغ من مصعبنا مبلغه ففاضت عليه منح التوفيق من رب العالمين سبحانه، فوفقه جل وعلا في دعوته بالمدينة فقد أسلم على يديه أسياد المدينة وهم سعد بن معاذ وأسيد بن حضير رضي الله عنهما، وكان له الفضل في إسلام أهل المدينة.
استشهاده يوم أحد:
ولما دعى داعي الجهاد في سبيل الله وخرج الناس مع نبيهم صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد، هذا الفتى المنعم قبل إسلامه انظروا ماذا كان حاله عند إسلامه، يقول خباب ابن الأرت رضي الله عنه: (عن خباب قال: هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن نبتغي وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنا من مضى لسبيله لم يأكل من أجره شيئا، منهم: مصعب بن عمير قتل يوم أحد، ولم يترك إلا نمرة، كنا إذا غطينا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا رجليه بدا رأسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (غطوا رأسه، واجعلوا على رجليه من الإذخر)) [سير أعلام النبلاء، الذهبي، (1/146)].
تأملات في سيرة أول سفير في الإسلام:
لعلنا نتوقف قليلًا لنستقي من نبع سيرة مصعب رضي الله عنه أهم الدروس والعبر:
1. من ترك شيئًا لله أبدله الله خيرًا منه:
إن مصعب رضي الله عنه عندما وضع في موضع الاختيار بين طريق الإسلام المليء بالتضحيات والعطاء، وبين رغد العيش ونعيمه الخالي من الإيمان، اختار طريق الإسلام تاركًا المال والنعيم فأبدله الله خيرًا منهما، إيمانًا وأخوة وطمأنينة وألبسه شرف الدعوة إلى دينه والدلالة عليه سبحانه وتعالى وصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، فأي نعيم في الأرض يعدل واحدة من تلك الجواهر.
وأنت يا فتى الإسلام ربما توضع في موضع الاختيار كثيرًا بين طاعة وعصيان، بين طريق محفوف بما يغضب الله عز وجل، يزينه لك الشيطان على أن فيه الهناء والسعادة، وبين طريق السعادة الحقيقي ألا وهو طريق الطاعة، فأيهما تختار؟
إن كنت ستختار طريق الطاعة ـ وذلك ظني بك ـ فما أحوجك إلى خلق الصبر، فخلق الصبر من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها الشاب المسلم، فمن الصبر أن تضحي بالذنوب من أجل ربك سبحانه وتعالى، ومن الصبر أن تصبر على طريق الطاعة ولا تلتفت إلى تزين طريق العصيان.
وهنا أذكرك...
بأن الذنوب كالسموم في الأبدان، يقول ابن القيم رحمه الله طبيب القلوب: (مما ينبغي أن يعلم أن الذنوب والمعاصى تضر، ولاشك أن ضررها فى القلوب كضرر السموم في الأبدان على اختلاف درجاتها في الضرر، وهل فى الدنيا والآخرة شر وداء إلا سببه الذنوب والمعاصى؟ فما الذي أخرج الأبوين من الجنة دار اللذة والنعيم والبهجة والسرور إلى دار الآلام والأحزان والمصائب؟ وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء وطرده ولعنه ومسخ ظاهره وباطنه؟
وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رأس الجبال؟ وما الذي سلط الريح العقيم على قوم عاد حتى ألقتهم موتي على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية، ودمرت ما مر عليه من ديارهم وحروثهم وزروعهم ودوابهم؛ حتى صاروا عبرة للأمم إلى يوم القيامة؟
وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتي قطعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم؟ وما الذي رفع قرى اللوطية حتي سمعت الملائكة نبيح كلابهم، ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها فأهلكم جميعًا ثم أتبعهم حجارة من سجيل السماء أمطرها عليهم؟ فجمع عليهم من العقوبة ما لم يجمعه علي أمة غيرهم ولإخوانهم أمثالها، وما هي من الظالمين ببعيد؟) [الجواب الكافي، ابن القيم، (27)].
2. الإخلاص:
وإذا تأملنا معًا مدى توفيق الله تعالى لمصعب في دعوته بالمدينة نجد وراء هذا التوفيق حبًا فاض به قلب مصعب تجاه هذا الدين، ورغبة في بذل الغالي والثمين من أجله وهو مع ذلك لا يريد من أحد جزاء ولا شكورًا، فلما كانت تلك نيته ولما كانت هذه همته فقد جمع الخير بين يديه جمعًا، فأسلم على يديه سعد بن معاذ الذي اهتز لموته عرش الرحمن، وأسيد بن حضير، وغيرهم من الصحابة في ميزان حسنات مصعب الخير رضي الله عنه.
(فالإخلاص هو أن يبتغي طالب حياة النور بعمله وجه الله، طالبًا به رضوانه، راجيًا به نجاة من عذاب السموم، وفوزًا بجنات النعيم، لا يريد من الناس جزاء ولا شكورًا، كما هو فعل المؤمنين الذين يطعمون الطعام على حبه ولسان حالهم يقول: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} [الإنسان: 9]). [حياة النور، فريد مناع، ص(121)].
وقد علمنا سلفنا الصالح معنى الإخلاص: (قيل: هو إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة، وقيل: تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين، وقيل: نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق، وقال بعضهم: الإخلاص ألا تطلب على عملك شاهدًا غير الله، ولا مجازيًا سواه) [مدارج السالكين، ابن القيم، ص(384)، نقلًا عن حياة النور، فريد مناع، ص(121)].
3. الإيجابية والمبادرة:
إن مصعب رضي الله عنه، ضرب لنا أروع المثل في إيجابيته وفاعليته، علم أن الله منحه نعمة عظمى وامتن عليه بمنة كبرى، تكمن في الانتساب لهذا الدين، ثم علم أن حب هذا الدين قد لامس من قلبه الشغاف، فلما يكون الانتظار؟ لقد هب من فوره يقطع الأرض شوقًا إلى المدينة في إيجابية رفيعة، ثم ما لبث إلا أن نشر رسالة الإسلام في ربوع المدينة، حتى أشرقت بالأخيار الأطهار من المتوضئين الموحدين، لقد علم مصعب إمكاناته وفجر طاقاته فكان الفتح من الله على يديه، وإذا نظرنا إلى واقع المجتمعات والشباب، سنرى غياب قيمة الإيجابية والمبادرة، (فقد يكون الإنسان ذكيًا أو صاحب شهادات علمية رفيعة ولكنه لا يتمتع بالفاعلية، لأن الثقافة المحيطة به والتي أشربها لا تساعده على إنجاز كبير، إن لم يتخلص من آثارها السلبية.
وهناك مجتمعات تتغلغل فيها صفات الفردية والأنانية والحسد، وهناك أمراض تنخر الروح مثل الغرور والتكبر، وهناك مجتمعات تحمل أفكارًا تساعد على العطالة، كمن يقرأ أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم المتعلقة بالمستقبل والفتنة والملاحم فيفهمها فهمًا مغلوطًا، ومن ثم يقعد في بيته لا يعمل شيئًا لنصرة الإسلام بحجة أن الأمور تسير القهقري ولا فائدة في العمل... إلخ) [الفاعلية وعوامل تنميتها، د.محمد العبدة، (5-6)].
كلمة أخيرة:
إن ذكرنا لسير الصحابة وبطولاتهم العظيمة، لا يأتي من باب الثقافة الباهتة التي لا طعم لها ولا لون ولا رائحة، وإنما ليكون للقصة أثرًا واقعيًا في حياتنا العملية، ولذا نختم ببعض الكلمات العملية التي أوصي نفسي وأياكم بها:
1. تذكير النفس بالإخلاص قبل أي عمل ستقوم به سواء طاعة أو طلب للعلم وغيره.
2. حدد أهم العقبات التي تعيقك عن أهدافك وابحث عن حلول لتجاوزها، واستشر من تثق بهم.
3. ذكر نفسك دائمًا بأن التضحية هي سبيل ترك كل سوء، وعاقبتها الخير كله في الدارين، وما قصة مصعب الخير عنك ببعيد.
المصادر:
· الفاعلية وعوامل تنميتها، د.محمد العبدة.
· مدارج السالكين، ابن القيم.
· حياة النور، فريد مناع.
· الجواب الكافي، ابن القيم.
· مقومات الداعية الناجح، على بن عمر بن أحمد بادحدح.
· سير أعلام النبلاء، الذهبي.
· رجال حول الرسول، خالد محمد خالد.
· أسد الغابة، ابن الأثير.