معراج القبول
"الناس كلهم موتى إلا العلماء والعلماء سكارى إلا العاملين والعاملون كلهم مغرورون إلا المخلصين" [إحياء علوم الدين - (1/61)].
كلمة أطلقها سهل رحمه الله، يبرز من خلالها أن الحياة إنما هي في الإخلاص لله، فكل العلماء والعاملين ليسوا بأحياء حتى يخلصوا أعمالهم إلى ربهم جل وعلا.
الإخلاص هو أحد شرطي قبل العمل الصالح، قال الله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك: 2].
قال الفضيل في قوله تعالى {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}: أخلصه وأصوبه، وقال إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا وصوابًا، والخالص إذا كان لله عز وجل والصواب إذا كان على السنة [جامع العلوم والحكم لابن رجب، ص(13-14)].
فالإخلاص والمتابعة شرطا قبول العمل، يدل عليه قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110].
فالإخلاص إذًا هو معراج القبول الذي يصعد فيه العبد في درجات القرب من رضا الرحمن سبحانه وتعالى.
يقول الشيخ محمد صالح المنجد: (وتنوعت عبارات السلف فيه، فقيل في الإخلاص:
- أن يكون العمل لله تعالى، لا نصيب لغير الله فيه.
- إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة.
- تصفية العمل عن ملاحظة المخلوقين.
- تصفية العمل من كل شائبة.
منزلة الإخلاص في الدين:
يقول الشيخ عبد المحسن العباد في بيان منزلة الإخلاص: (الإخلاص هو أساس النجاح والظفر بالمطلوب في الدنيا والآخرة, فهو للعمل بمنزلة الأساس للبنيان, وبمنزلة الروح للجسد, فكما أنه لا يستقر البناء ولا يتمكّن من الانتفاع منه إلا بتقوية أساسه وتعاهده من أن يعتريه خلل فكذلك العمل بدون الإخلاص.
وكما أن حياة البدن بالروح فحياة العمل وتحصيل ثمراته بمصاحبته وملازمته للإخلاص, وقد أوضح ذلك الله في كتابه العزيز فقال: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ, وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}, ولما كانت أعمال الكفار التي عملوها عارية من توحيد الله وإخلاص العمل له سبحانه جعل وجودها كعدمها فقال: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا}. والإخلاص أحد الركنين العظيمين اللذين انبنى عليهما دين الإسلام, وهما إخلاص العمل لله وحده وتجريد المتابعة للرسول الله صلى الله عليه وسلم) [الإخلاص، عبد المحسن العباد].
من ثمرات الإخلاص:
إن للإخلاص ثمرات كثيرة يجنيها العبد في الدنيا والآخرة، فمن تلك الثمرات:
مغفرة الذنوب:
عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم (أن امرأة بغيا رأت كلبا فى يوم حار يطيف ببئر قد أدلع لسانه من العطش فنزعت له بموقها فغفر لها) [رواه مسلم، (5997)].
قد يعجب القارئ متسائلًا: ما علاقة ذلك الحديث بالإخلاص؟ ها هو ابن تيمية يجلي لك الصورة بقوله: (فهذه سقط الكلب بإيمان خالص كان في قلبها فغفر لها وإلا فليس كل ما بغى سقت كلبا يغفر لها) [منهاج السنة النبوية، (6/221)].
ثم يزيدك ابن القيم بيانًا لما قام في قلبها من الإيمان الخالص بقوله: (فقام بقلبها ذلك الوقت مع عدم الآلة وعدم المعين وعدم من ترائيه بعملها ما حملها على أن غررت بنفسها في نزول البئر وملء الماء في خفها ولم تعبأ بتعرضها للتلف وحملها خفها بفيها وهو ملآن حتى أمكنها الرقي من البئر ثم تواضعها لهذا المخلوق الذى جرت عادة الناس بضربه فأمسكت له الخف بيدها حتى شرب من غير أن ترجو منه جزاء ولا شكورا فأحرقت أنوار هذا القدر من التوحيد ما تقدم منها من البغاء فغفر لها) [مدارج السالكين، (1/332)].
صرف الفتنة عن القلب:
قال تعالى عن عبده ونبيه يوسف عليه السلام في فتنة امرأة العزيز: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24]، قال ابن تيمية رحمه الله: (فإن قوة يوسف ومحبته لله وإخلاصه وخشيته كانت أقوى من جمال امرأة العزيز وحسنها) [مجموع الفتاوى، (10/602)].
ويقول كذلك: (فلا تزول الفتنة عن القلب الا اذا كان دين العبد كله لله عز وجل فيكون حبه لله ولما يحبه الله وبغضبه لله ولما يبغضه الله وكذلك موالاته ومعاداته) [الزهد والورع والعبادة، (1/39)].
فما أحوج شبابنا إلى الإخلاص، الذي هو سلاح التصدي للفتن والمغريات التي استشرت في هذا الزمان؟
سبب قبول الدعاء:
وليس أدل على ذلك من حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة، فدعاء كل منهم بعمل أخلص فيه نيته لله، ففرج الله عنهم، فعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(بينما ثلاثة نفر يتماشون أخذهم المطر، فمالوا إلى غار فى الجبل، فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل، فأطبقت عليهم، فقال بعضهم لبعض انظروا أعمالا عملتموها لله صالحة، فادعوا الله بها لعله يفرجها.
فقال أحدهم اللهم إنه كان لى والدان شيخان كبيران، ولى صبية صغار كنت أرعى عليهم، فإذا رحت عليهم فحلبت بدأت بوالدى أسقيهما قبل ولدى، وإنه ناء بى الشجر فما أتيت حتى أمسيت، فوجدتهما قد ناما، فحلبت كما كنت أحلب، فجئت بالحلاب فقمت عند رءوسهما، أكره أن أوقظهما من نومهما، وأكره أن أبدأ بالصبية قبلهما، والصبية يتضاغون عند قدمى، فلم يزل ذلك دأبى ودأبهم حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أنى فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج لنا فرجة نرى منها السماء، ففرج الله لهم فرجة حتى يرون منها السماء.
وقال الثانى اللهم إنه كانت لى ابنة عم، أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، فطلبت إليها نفسها، فأبت حتى آتيها بمائة دينار، فسعيت حتى جمعت مائة دينار، فلقيتها بها، فلما قعدت بين رجليها قالت يا عبد الله اتق الله، ولا تفتح الخاتم، فقمت عنها، اللهم فإن كنت تعلم أنى قد فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها ففرج لهم فرجة.
وقال الآخر اللهم إنى كنت استأجرت أجيرا بفرق أرز فلما قضى عمله قال أعطنى حقى، فعرضت عليه حقه، فتركه ورغب عنه، فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقرا وراعيها، فجاءنى فقال اتق الله ولا تظلمنى، وأعطنى حقى، فقلت اذهب إلى ذلك البقر وراعيها، فقال اتق الله ولا تهزأ بى، فقلت إنى لا أهزأ بك، فخذ ذلك البقر وراعيها، فأخذه فانطلق بها، فإن كنت تعلم أنى فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج ما بقى، ففرج الله عنهم) [متفق عليه].
اجتماع القلب ولم شعثه:
فالإخلاص يجمع على العبد قلبه، ويعصمه من شتات الالتفاف، وبالإخلاص يزول هم العبد، ويجد الغنى في قلبه، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة) [صححه الألباني في الصحيحة، (950)].
تنزل النصر:
وليس في هذا عجب فقد أخبر به من لا ينطلق عن الهوى، فلقد قال صلى الله عليه وسلم: (إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم) [صحح الألباني في صحيح سنن النسائي، (3178)].
من عجائب المخلصين:
يقول عبدة بن سليمان:كنا مع سرية مع عبد الله بن المبارك في بلاد الروم، فلما التقى ساعة فطعنه ازدحم الناس عليه ليعرفوا من هو فإذا هو يلثم وجهه ، فإذا هو عبد الله بن المبارك فقال لائمًا أنت يا أباعمر ممن يشنع علي.
يقول الحسن: إن كان الرجل جمع القرآن ولما يشعر به الناس، وإن كان الرجل لينفق النفقة الكثيرة ولما يشعر الناس به، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته ولم يشعر الناس به، ولقد أدركت أقوامًا ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملونه في السر فيكون علانية أبدًا.
ومن عجائب المخلصين ما حصل لصاحب النفق، حاصر المسلمون حصنًا واشتد عليهم رمي الأعداء ، فقام أحد المسلمين وحفر نفقًا فانتصر المسلمون، ولا يُعرَف من هو هذا الرجل، وأراد مَسْلَمَة يريد أن يعرف الرجل لمكافأته،ولما لم يجده سأله بالله أن يأتيه، فأتاه طارق بليل وسأله شرطًا وهو أنه إذا أخبره من هو لا يبحث عنه بعد ذلك أبدًا ، فعاهده، وكان يقول : (اللهم احشرني مع صاحب النفق).
يقول حماد بن زيد : كان أيوب ربما حدث في الحديث فيرقّ وتدمع عيناه، فيلتفت وينتخط ويقول ما أشد الزكام!! فيظهر الزكام لإخفاء البكاء.
قال الحسن البصري: (إن كان الرجل ليجلس المجلس فتجيئه عبرته فيردها فإذا خشي أن تسبقه قام وذهب وبكى في الخارج).
يقول محمد بن واسع التابعي: ( إن كان الرجل ليبكي عشرين سنة وامرأته لا تعلم).
كان علي بن الحسن يحمل الخبز بالليل على ظهره يتبع به المساكين بالظلمة، فالصدقة تطفئ غضب الرب، وكان أهل بالمدينة يعيشون لا يدرون من أين معاشهم ، فلما مات عرفوا، ورأوا على ظهره آثارًا مما كان ينقله من القرب والجرب بالليل فكان يعول 100 بيت .
وهكذا كان أحدهم يدخل في فراش زوجته فيخادعها فينسل لقيام الليل وهكذا صام داود بن أبي هند أربعين سنة لا يعلم به أهله فكان يأخذ إفطاره ويتصدق به على المساكين ويأتي على العشاء..[من كتاب أعمال القلوب، المنجد].