ما هي أكثر الطاعات التي تؤثر فيك في رمضان؟





   
الصفحة الرئيسية  كن إيجابيًّا    أوراق بطل
بطل الخندق  
|


الأحد 05 من جمادى الأولى 1431 هـ 18-04-2010 م  06:00 ص(مكة المكرمة)  03:00 ص(جرينتش)
تقييم الموضوع: 
التقييم:8
عدد المقيمين:2
عدد الزوار: 89

 
.

بطل الخندق

جموع غزيرة تقطع الصحراء، خيل ورماح وسيوف، وعيون تطل منها الشرور، وقلوب تمتلئ غيظًا وحقدًا، إنهم صناديد قريش وغطفان، إلى أين يتجهون؟!
       إنهم يقصدون مدينة الرسول، خرجوا بحدهم وحديدهم، بعدما زين لهم الشيطان عملهم، وأغرتهم شياطين اليهود بمحو الدعوة المحمدية، واستئصال شأفتها، يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم.
       ولم تكن المدينة في غفلة من كيد الحاقدين، لقد بلغت الأنباء رسول الله وصحبه، وعلموا بجموع الأحزاب الزاحفة من مشركي العرب، وبطيور الظلام اليهودية التي ترتقب ساعة الهجوم لتشارك في قمع الموحدين.
       وجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ليتشاورا في أمر الزحف الغاشم، فعلى مثل هذا رباهم، فلقد أراد منهم رجالًا وقادة لا إمعات وعبيد، يعبرون عن آرائهم، ويشاركون في صنع الأحداث.
 وفي ذلك المجلس العسكري الميمون الذي ترأسه الرسول، كان البحث في تلك الظروف الصعبة وذلك الخطر الذي يحيق بالمدينة، فالكل يفكر، والجميع يعتصر ذهنه للتوصل إلى الإجراءات الدفاعية المناسبة.
       وجلس سلمان بوقاره المعهود في المجلس، يشارك نبيه وإخوانه حمل هم الإسلام، فكيف يتقون تلك الضربة المغرضة الوشيكة، والتي يعضدها مكر اليهود من داخل جنبات المدينة.
       ورجعت الذكريات بذهن سلمان تتخطى حواجز الزمان والمكان إلى الماضي جهة الشرق، هنالك في بلاد فارس، موطنه الأصلي، وكأنه قد ارتسمت في مخيلته صورة جيوش الأعداء تحاصر بلاده، والجميع يعمل كخلية نحل، معاول وفؤوس، وحفر.
       تألقت الفكرة في عقل سلمان الألمعي كبريق الماس، فلقد وجد الفكرة في أعماق ذكرياته: إنه الخندق.
       لقد كان قومه في فارس إذا حوصروا جعلوا بينهم وبين أعدائهم خندقًا، فلا ينال أعداؤهم منهم، وهنا أشار سلمان على رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك الفكرة غير المعهودة في عالم العسكرية العربية.
ورحب النبي صلى الله عليه وسلم بفكرة تلميذه النجيب، ليسجل التاريخ على صفحاته بمداد النور، أن فكرة سلمان قد ناضلت كما يناضل السيف والسنان، وكانت سببًا في أن ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العرب بهذا الأسلوب القتالي الغريب لديهم، وستظل تلك الموقعة يرتبط ذكرها بسلمان حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
       واتخذ النبي موقعًا نموذجيًا لحفر الخندق: شمال المدينة، حيث كان هو الجانب المكشوف أمام العدو، أما بقية الجهات فهي حصينة منيعة.
       وأصدر النبي صلى الله عليه وسلم أوامره بالحفر، ولم يكن بالقائد الذي يقبع في الظل يتقي حر الشمس وبجواره الماء الزلال البارد، بينما يترك جنده للعناء والنصب، فإنه ما إن يأمر بشيء حتى تكون له المبادرة في فعله.
       ويقسم الحبيب أعمال الحفر بين تلاميذه النجباء، فيتكاتف كل عشرة منهم لحفر أربعين ذراعًا، يتفانى كل فريق في إنجاز عمله، ووضع بصمته في ذلك العمل العظيم.
       وأما سلمان، ذلك الفتي القوي الخبير بالحفر، فقد تنازع عليه الصحابة كل فريق يريد أن يحظى بسلمان، فيقول المهاجرون: سلمان منا، ويقول الأنصار: سلمان منا، وكأن الفارسي الغريب قد تربي بين أحضان بيوتهم، وترعرع في أراضيهم منذ المهد.
 فحُق لسلمان أن يسعد وينتشي فرحًا، بتلك الأسرة الكبيرة، أسرة قد جمعتها راية واحدة، وعقيدة واحدة، وقيم ومبادئ واحدة.
وبينما كان الأبرار يتنازعون بينهم أيهم يضم إليه سلمان، إذ قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم نزاعهم الأخوي الهادئ، فقال : (سلمان منا أهل البيت)، فكيف حال الفتى الفارسي وهو يتنسم عبير تلك المحبة النبوية، فليحلق الطائر في فضاء الكون فرحًا، وليغرد في ربوعه طربًا.
وبدأت أعمال الحفر، وسالت حبات العرق على الجبين، وامتزجت بالتراب والغبار، والتحمت من قبلها الهمم، وتلاقت القلوب فصارت قلب رجل واحد، وهم الإسلام يجتاح كيان الجميع.
       جوع وبرد وخوف، كل ذلك كان عنوان تلك الفترة العصيبة، فكان النبي صلى الله عليه وسلم وجنده يعملون كخلية نحل وسط أجواء مشحونة بالخوف من مداهمة العدو لديارهم في كل لحظة، والبرد القارص الذي يقرض عظامهم، والجوع من قسوته قد ألجأ الحبيب لأن يربط الحجر على بطنه الشريف، لكن وشاح الإيمان عندما يكتنف القلوب، فعبثًا تنال منها الخطوب.
 ويرى الحبيب ما ألمَّ بأصحابه من جوع ونصب، وهم يعملون في البرد القارص، وينقلون التراب على أكتافهم، فينفث الرسول في عزائمهم، ويلهب حماستهم، ويربط عملهم بجزائهم المنتظر، ويأخذ بمشاعرهم إلى مساكنهم في الجنان، فيرتجز:
(اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة              فاغفر للأنصار والمهاجرة)[رواه البخاري، (4099)].
       فتألقت قلوبهم من فرط الحماس، وكأنهم يطمئنون الحبيب على هممهم وعزائمهم التي تناطح السحاب، فارتجزوا:
(نحن الذين بايعوا محمدًا                   على الجهاد ما بيقينا أبدًا) [المصدر السابق].
       وها هو سلمان يعمل مع فريقه كعشرة من الرجال، ونفسه قد امتلأت حماسًا متقدًا وعزمًا أكيدًا، وقام وحده بحفر خمسة أذرع، واختلط التراب بالعرق على شعره الغزير، وهو يتطلع في عمله إلى جنات الخلود، فيقول: (اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة)[مغازي الواقدي، (1/146)].
       وبينما سلمان يعمل مع فريقه في الخندق إذ بدت أمامهم صخرة بيضاء، قد أعيتهم وتأبت عليهم، فلم يستطيعوا إلي كسرها سبيلًا، فطلبوا من سلمان أن يصعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليخبره بأمر الصخرة، فينظر في أمرها.
       ويأتي سلمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبكل أدب وتوقير يستشير رسول الله في تلك الصخرة التي اعترضتهم في الخندق، فينزل معه الحبيب إلى الخندق، ويمسك بالمعول ويقول: (بسم الله)، وضرب ضربة فكسر ثلثها، وقال: (الله أكبر، أُعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأنظر قصورها الحمر من مكاني هذا)، ثم ضرب الثانية، فقطع ثلثًا آخر فقال: (الله أكبر، أُعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن، وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا)، ثم ضرب الثالثة، فقال: (بسم الله)، فقطع بقية الحجر، فقال: (الله أكبر، أُعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا) [رواه أحمد في مسنده، (17946)، وإسناده حسن].
       وكأن سلمان قد أخذه المشهد إلى بلاد فارس، تلك التي نشأ في ربوعها، ويعيش فيها الأهل الذين انقطعت عنهم أخباره وانقطعت عنه أخبارهم، فهل يطول به العمر حتى يكون في كوكبة الإيمان التي تفتح فارس؟ وهل سيكون على قيد الحياة إذ يسري نور الإسلام في ربوعها؟
       وهل خبأت له الأقدار أن يعود مرة أخرى إلى فارس في ثوب الإسلام ويكون من طليعة الفرسان التي تطفئ نار المجوس؟!
       ووصلت جموع الأحزاب على أعتاب المدينة، فإذا بهم يقفون مشدوهين إلى الخندق، تلك الوسيلة الدفاعية التي لم تعهدها العرب في الحروب؟ فمن أين أتى محمد وأصحابه بهذه الفكرة العبقرية؟! كيف اهتدوا إلى مثل هذه الأساليب الحربية؟ فنما إلى علم قريش أن رجلًا فارسيًا هو الذي أشار عليهم بهذا الأمر.
       واشتدت المحنة على النبي وأصحابه، فالمشركون يحاصرون المدينة، واليهود قد نقضوا عهدهم واستعدوا للمشاركة مع المشركين، فابتلي المؤمنون وزلزوا زلزالًا شديدًا، ولما رأوا جموع الغدر كان ظنهم بربهم قويًا، وثقتهم في نصر الله ليس لها حدود.
       وعاش سلمان مع إخوانه تلك المحنة، قاسى معهم البرد والجوع، وتصدى معهم لمحاولات اقتحام الخندق من خيل الشرك والظلم، والأحداق قد احمرت من فرط السهر في الحراسة، والأعصاب قد انهكها الترقب والتحفز لمواجهة أي اختراق، فما يحول بينهم وبين أعدائهم غير هذا الخندق المبارك.
       قد جن الليل وأرخى سدوله، وهتاف النوم يغري الأنام، فيخلدون إليه في شوق إليه ووجل منه، فالأخطار تحيق بالمدينة من داخلها وخارجها، والهمسات الوجلة في الظلام يتردد صداها بين جدران السكون، فيغلب النوم الأجفان فتلتحم.
       ولكن هناك عيونًا ساهرة تبرق بالعزم والجد، قد عاف أصحابها لين الفراش، وباتوا على شفير الخندق، لكي يمنحوا الأمان للصبيان والنساء والشيوخ في رقادهم، ويقفون كالجبال الراسيات، وبعيون الصقور يرصدون حركات المتربصين.
       كان سلمان في الليل يرابط مع إخوانه في الحراسة، تمسح عيناه الخندق يطمئن على مناعته، فيبصر مكانًا متقاربًا في الخندق، فيقدر في حسه العسكري أنه قد يكون معبرًا لخيل المشركين، فيهمس بما يتخوف منه إلى أخيه أسيد.
 ونزل سلمان الخندق، وظل يحفر ويوسع فيما تقارب من الخندق، وبات ليلته في العمل المضني تحت تهديدات الخطر ولسعات البرد وعصف الجوع، فحيا الله ذلك البطل الفذ الذي فاحت مواقفه بعبير البطولة والتضحية والبذل والعطاء.
وظل المؤمنون يعيشون تلك اللحظات العصيبة، ويتعرضون لبعض المناوشات، حتى أنزل الله تعالى نصره على جنده وصدق معهم وعده، وهزم الأحزاب وحده ، فقد نشب بين أعداء الله الخلاف، وزلزل الله أبدانهم وقلوبهم، وأرسل الله ريحًا كان المؤمنون في عافية منها، بينما كانت تقتلع خيام المشركين وتطفئ نارهم، وأنزل الله جنوده من الملائكة حتى كان النصر لأهل الإيمان.
       فكأني بربوع المدينة بعد هذا النصر المبين تحنو على سلمان وتعانقه، وكأني بالأبصار كلها تتجه إليه في حنان وتقدير، وكأني بالأيدي تشد على يده شكرًا واعترافًا بحسن مشورته، فلقد كان ذلك الطائر الآتي من الشرق قد حمل على جناحيه الخير لأمة الإسلام.
       فياله من بطل عشق البذل من أجل دينه، وناضل بفكرته المباركة التي تنطلق من إيجابية لامعة، تستنفر كل قواه الذهنية والبدنية من أجل خدمة هذه الدين ونصرته، فبتلك الفكرة المناضلة كان سببًا في الدفاع عن بيضة الإسلام وحماية أهله، ولذا فقد ارتبطت هذه الفكرة بسلمان، ولازمت اسمه حتى يرث الله الأرض ومن عليها، فكلما ذكر سلمان الفارسي، تبدت صورة الخندق في ذهن كل امرئ، وهو يرى الخندق، ويرى سلمان، بطل الخندق.


 

لا توجد أناشيد متاحة
لا توجد فلاشات متاحة
لا توجد محاضرات متاحة
لا توجد مرئيات متاحة
لا توجد كتب متاحة
لا توجد مقالات متاحة
    

Developed by: ITGates                                                         Designed by: Spots Design                                                                    عدد الزوار :32203