ما هي أكثر الطاعات التي تؤثر فيك في رمضان؟





   
الصفحة الرئيسية  هيا بنا نؤمن ساعة    واحة العبودية
عبوديتي حريتي  
|


الاثنين 23 من ربيع الأول 1431 هـ 08-03-2010 م  06:00 ص(مكة المكرمة)  03:00 ص(جرينتش)
تقييم الموضوع: 
التقييم:6
عدد المقيمين:1
عدد الزوار: 120

 
.

عبوديتي حريتي

الحرية من الحاجات الإنسانية الملحة التي تتوق إليه الأنفس بفطرتها، وتبذل وتضحي من أجل الحصول عليها على مدار التاريخ كله، فمن أجلها أريقت الدماء، ورفعت ألوية النضال ورايات الكفاح.
غير أن مفهوم الحرية هو مفهوم مطاطي، تلاعب به بنو الإنسان، وطوعه الكثيرون لتحقيق مآرب غير سوية، وارتبطت في حس الكثيرين بالتنصل من قيود الالتزام بتعاليم الشريعة.
فصورت العبودية لله على أنها قيود تسور معصمي العبد، وتحرمه متع الحياة، وتقيد حريته وانطلاقته، وكثير من الشباب يرغبون في اللحاق بقوافل العائدين إلى مولاهم، لكنه الركون إلى قيعان الحرية بمفهومها الأخرق، والذي يتمثل في حسهم بفعل ما تهوى الأنفس، وما تهمس به الخطرات دون ضوابط أو مهذبات.
فإذا ما لاحت للشاب سفينة النجاة وهتف به ضميره الإيماني أن افعلها، ووصلت إلى أسماعه أصداء نداءات الخير أن: اركب معنا، عصفت به هواجس الحرية المزعومة، وصورت له على صفحة الخيال تلك القيود التي سوف يفرضها عليه تمسكه وتمثله تعاليم دينه، واستثقلها ونفض عن رأسه الفكرة التي توخز قلبه.
إن رؤية الحرية على أنها فعل الإنسان كل ما يريد وقتما يريد لهو مما أجمع العقلاء على بطلانه، فذلك كفيل بجعل الحياة البشرية غارقة في الفوضوية واللا آدمية، ثم إنه من المحال أن يشعر الإنسان بالحرية الكاملة وفق هذا المفهوم، فما أكثر ما يعترض الإنسان من أمور تحول بينه وبين رغباته مهما أوتي من سطوة وقوة وإمكانات، ومن ثم لن يشعر بالحرية الكاملة أبدًا في ظل هذا الفكر المشوه.
ولنا أن ننظر إلى الغرب الذي يترنم بالحرية ومفهومها الساذج، فهم يغرقون في الإباحية والتحلل من كل قيد، فهل تحقق لهم الاستقرار النفسي والسعادة المنشودة؟
إنما تجيب على هذا السؤال تلك الإحصاءات التي تؤكد على أن أعلى نسبة انتحار هي في المجتمعات الغربية بسبب الاكتئاب والأمراض النفسية.
إن الحرية كل الحرية أن يحيا العبد في ظلال العبودية لله تعالى، يوحد وجهته، ويجمع همه، فحينها لا يخضع لقيود الأرض ويحصل على الحرية، فإنما جاء الإسلام لتحرير العباد، وهذا ما أدركه ربعي بن عامر رضي الله عنه عندما وقف أمام قائد أعتى قوة على وجه الأرض حينها، وهي الإمبراطورية الفارسية، فنطق بتلك الحقيقة التي تعبر عن رسالة الإسلام والتي سجلها التاريخ بمداد من نور: (الله ابتعثنا والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الاديان إلى عدل الاسلام) [تاريخ الطبري، ( 3/ 23)].
إن العيش في كنف القيام بأمر الله وتمثل تعاليم دينه لهو واحة النفس وروضتها، وما من سبيل غير ذلك للسعادة، قال تعالى: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن:11]، وقال أيضًا: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد:28].
وها هو القرآن يضرب مثلًا للعبد الذي وحد وجهته لله، وجمع عزمه على مرضاته ومدى استقراره وسكونه على العكس من صاحبه الذي تتجاذبه شتى الأهواء: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر:29].
ومن ثَم فإن العبد المحلق في ظلال العبودية لله تعالى يشعر حقًا بالحرية؛ لأنه يستعلي بمقتضى ذلك على كل القيود وعوامل الجذب الأرضية، لذلك لا نتعجب من رجل مثل شيخ الإسلام ابن تيمية عندما يهزأ بقيود الأرض قائلًا: (ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي، لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة) [ذيل طبقات الحنابلة، ابن رجب، (1/344)].
(إن العزة وكمال الشرف، والحرية الكاملة من عبودية البشر لا تكون إلا في تحقيق العبادة لله عز وجل والاستعانة به وحده؛ وعلى العكس من ذلك فإن الذلة والمهانة والرق الحقيقي هو من الابتـعاد عن عبادة الله تعالى وطاعته؛ لأن أي مكلف يرفض الدخول في عبادة الله عز وجل، فلابد أن يدخل في عبودية غيره من المخاليق الضعفاء، ومعلوم ما في استعباد المخلوق لمخلوق مثله من الذلة والرق والظلم والفساد، وهذه سنة الله عز وجل في عباده.
والإنسان لا يبلغ كماله الحقيقي وشرفه الأعلى إلا في العبودية لله وحده والرفض الكامل لعبودية ما سواه، وهذا الكمال البشري هو الذي وصل إليه أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام وعلى رأسهم نبينا محمد لله، وهو الذي خاطبه ربه سبحانه في أعلى مقاماته التي وصل إليها: مقام تلقي الوحي، ومقام الإسراء، خاطبه فيهما بوصف العبودية؛ لأنها أرقى وأعظم وأشرف منزلة يصل إليها الإنسان) [وقفات تربوية في ضوء القرآن الكريم، عبد العزيز الجليل].
إن ثمن التقيد بتعاليم الإسلام ليس له من جزاء إلا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا، أتدري أيها الشاب ما معنى ذلك؟ ما هي إلا سنوات أو شهور أو ربما دقائق أو لحظات من تقيدك بهذه القيود ثم ترتحل حيث لا نصب ولا تعب، حيث ما تشتهيه نفسك وتلذ به عينك، حيث النعيم المقيم والسعادة الأبدية، إنه إذًا صبر ساعة ثم يفك قيدك.
يقول صاحب الظلال رحمه الله: (إن الدينونة لله تحرر البشر من الدينونة لغيره،وتخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، وبذلك تحقق للإنسان كرامته الحقيقية، وحريته الحقيقية، هذه الحرية وتلك اللتان يستحيل ضمانهما في ظل أي نظام آخر ـ غير النظام الإسلامي ـ يدين فيه الناس بعضهم لبعض بالعبودية، في صورة من صورها الكثيرة، سواء عبودية الاعتقاد، أو عبودية الشعائر، أو عبودية الشرائع؛ فكلها عبودية ،وبعضها مثل بعض؛ تخضع الرقاب لغير الله، بإخضاعها للتلقي في أي شأن من شئون الحياة لغير الله.
والناس لا يملكون أن يعيشوا غير مدينين، لابد للناس من دينونة، والذين لا يدينون لله وحده يقعون من فورهم في شر ألوان العبودية لغير الله في كل جانب من جوانب الحياة!
إنهم يقعون فرائس لأهوائهم وشهواتهم بلا حد ولا ضابط، ومن ثم يفقدون خاصتهم الآدمية، ويندرجون في عالم البهيمة: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ} [محمد: 12]، ولا يخسر الإنسان شيئًا كأن يخسر آدميته، ويندرج في عالم البهيمة، وهذا هو الذي يقع حتمًا بمجرد التملص من الدينونة لله وحده، والوقوع في الدينونة للهوى والشهوة.
وهذا يقودنا إلى قيمة توحيد العبادة والدينونة في صيانة أرواح الناس وأعراضهم وأموالهم، التي تصبح كلها ولا عاصم لها عندما يدين العباد للعباد في صورة من صور الدينونة، سواء في صورة حاكمية التشريع، أو في صورة حاكمية الأعراف والتقاليد، أو في صورة حاكمية الاعتقاد والتصور) [في ظلال القرآن، سيد قطب، (3/1939-1940)]
إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بين في الحديث الصحيح أن: (الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر) [رواه مسلم،(7606)]، فلن يرى المؤمن الراحة الكاملة إلا في الجنة، وهو ما أشار إليه الأمام أحمد عندما سئل: متى يجد العبد طعم الراحة؟ قال: (عند أول قدم يضعها في الجنة) [ذيل طبقات الحنابلة، ابن رجب].
إذا فالأمر يستحق أن يكد الإنسان ويتعب نفسه من أجل تحقيق هذا الهدف، ويحصل على ذلك النعيم الذي لا يخطر على قلب بشر، فهل يقال بعد ذلك أن الالتزم بأوامر الله قيد وهو المطية التي يرتحل عليها العبد إلى النعيم، فإن سميت قيودًا فيا نعم القيود.


 

لا توجد أناشيد متاحة
لا توجد فلاشات متاحة
لا توجد محاضرات متاحة
لا توجد مرئيات متاحة
لا توجد كتب متاحة
لا توجد مقالات متاحة
    

Developed by: ITGates                                                         Designed by: Spots Design                                                                    عدد الزوار :32233