يا عالي الهمة
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، قول فصل من فوق سبع سموات في مسألة لطالما حارت فيها عقول، وهامت في متاهات الحيرة بشأنها أفئدة، لقد قطع ذلك التقرير على كل ذي عقل ما استرسل فيه عقله من البحث عن سر الوجود.
إنه العبودية لله تبارك وتعالى، فلم يخلق الله الخلق عبثًا {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115]، وإنما خلقهم لعبادته جل وعلا وتوحيده وطاعته، فهي إذًا ما سخرت من أجله الكائنات والأفلاك والشمس والدواب والنجوم والقمر والبحار والأنهار، تلك المنظومة الرائعة في خلق الله إنما كانت من أجل القيام بحق العبودية لله تبارك وتعالى.
ومن ثم كانت تلك المهمة العظيمة والغاية الجليلة من الخلق تحتاج إلى همة كالجبال الرواسي تليق بعظم هذه المهمة، فكان من المناسب أن نذكر أهمية علو الهمة في العبادة، والمسوغات التي تفرض وجودها في واحات العبودية:
1- لأن التعبد بالتكاليف الشرعية أمانة عظيمة ناءت بحملها السموات والأرض والجبال ((إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا)) [الأحزاب:72].
فمهمة قد تأبت عليها السموات بعلوها واتساعها، والجبال بصلابتها وقوتها، والأرض بانبساطها، فإن إنسانًا يحملها لحري به أن يكون أعلى من السموات، وأقوى من الجبال وأكثر انبساطًا من الأرض في قبول التكاليف والقيام بها.
2- لأن العبادة أشمل من كونها تقتصر على أركان الإسلام وبعض الشعائر المعروفة، فمحال أن يخلق الله الخلق ويرسل الرسل ويهلك أقوامًا ويرفع آخرين، ويخلق الجنة والنار جزاءً، وترفع رايات من أجل تحقيق العبودية، ويسخر للإنسان هذه المخلوقات، كل ذلك من أجل بضع ركعات وصيام شهر.
إن مفهوم العبادة أشمل وأوسع بكثير من ذلك، فهي كما يعرفها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة)، إذًا فكل عمل أو قول يحبه الله ويرضى عنه فإنه عبادة؛ فالإصلاح بين الناس عبادة، وكفالة اليتيم أو حتى المسح على رأسه عبادة، والنصيحة عبادة، وإماطة الأذى عن طريق المسلمين عبادة، والرفق بالحيوان عبادة، وتربية الأطفال وفق شرع الله عبادة، حتى المباحات فإنها تصير عبادات بالنية الصالحة؛ فالطالب يجتهد في جامعته لخدمة الإسلام والمسلمين عبادة، والعمل للتكسب والإنفاق على النفس والغير والتعفف عن السؤال عبادة.
فإذا كانت العبادة بهذا المفهوم الواسع فيلزم للقيام بها همة عالية تتناسب مع اتساع مفهومها.
3- كثرة العوائق والصوارف والشواغل، سواء كانت داخلية تنبع من داخل الإنسان وطبيعته، أو خارجية في الوسط الذي يعيش فيه، فتتجمع فيما بينها لتصرف الشاب عن القيام بواجب العبودية.
فالنفس التي تميل إلى الراحة والدعة والخمول تكون عائقًا للقيام بهذا الواجب، وهناك الشيطان الذي يتفنن في صرف الشاب عن العبادة، وكذلك البيئة التي تكتظ بالضغوطات والمشكلات الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك كثرة المغريات والملهيات.
الهمة في العبادة لا تنحصر في الكثرة:
عندما يكون الحديث عن علو الهمة في القيام بالعبودية، تكون معه النظرة الضيقة لآفاق تلك الهمة، فينحصر النظر إليها على الكثرة والكم، ولكن ليس الكم ولا الكثرة بالشيء الوحيد الذي تبرز في إطاره ملامح الهمة العالية في التعبدية، فغير هذا العنصر هناك أبعاد أخرى نذكر منها:
1- المواظبة على الأعمال الصالحة والمداومة عليها، حتى ولو كانت قليلة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل)) [صححه الألباني]، فالمداومة على العمل وإن قل يدل على همة عالية عند صاحبه، لأن النفس تمل من الرتابة وترغب في التغيير وكسر المألوف، ولذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: ((يا عبد الله، لا تكن مثل فلان؛ كان يقوم الليل فترك قيام الليل)) [متفق عليه]، فكأنه يرثي تارك العمل بعد المداومة عليه.
2- إتقان العبادة: فهذا يحتاج إلى همة عالية، فقد يسهل على الإنسان أن يصلي مثلاً بربع من القرآن في ركعة، ويشق عليه أن يتدبر ما يقرأ أو يتعايش معه ويستحضر معانيه، مع أنه لو تدبر لما شعر بأي نوع من أنواع التعب، وكذلك الصوم، يسهل على الإنسان فيه ترك الطعام والشراب والشهوة، لكن قد يصعب عليه أن يكف لسانه عن الوقوع في الغيبة، ويكف عينيه عن النظر إلى ما حرم الله، ففي المثالين السابقين نرى أن جانب الإتقان كان بعيدًا عن صاحبه، فيصير الأمر أقرب ما يكون إلى الاهتمام بالمظهر عن روح العبادة وجوهرها، فعلى ذلك فالقليل المتقن أفضل من غيره بلا إتقان.
3- ومن ذلك المحافظة على العبادة في أوقات الفتور، فإنه يحتاج إلى همة عالية، فالفتور طبيعة وجبلة، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لكل عمل شرة، ولك شرة فترة)) [صححه الألباني]، فالفتور عندما يعتري الشخص يحتاج إلى مجاهدة وعلو همة، لأنه في هذه الحالة يفتقد العبد إلى الإحساس بالعبادة والدافع الإيماني من القلب، فيؤديها مثلًا بغير خشوع، فعالي الهمة تكون فترته إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يفرط في الحد الواجب، ويقوم بالحد الأدنى من النوافل.
4- القيام بها مع مراعاة الواجبات الأخرى: فهذا يتطلب همة عالية، حيث أن الحقوق والواجبات كثيرة، من عمل وتعلم وتكسب...، فيكون الشاب أحد رجلين: إما أن يفرط في تلك الحقوق لكي يقوم بحق العبادة المطلوبة، أو يقصر في العبادة بحجة مراعاة الحقوق الأخرى، أما عالي الهمة فهو الذي يجمع بين هذا وذاك، خصوصًا مع علمه بكيفية تحويل العادة أو المباح إلى عبادة وأجر.
نحو همة عالية في ميدان العبودية:
فهذه نصائح مختصرة لشحذ الهمم للوصول بها إلى ما يليق بعظم التكاليف التعبدية التي تمثل الغاية من خلق العباد:
1- اجتناب الذنوب والمعاصي؛ لأنها تضعف الهمم وتوهن العزائم بآثارها الوخيمة، وتقعد به عن ركب المتسابقين، ولله در الشافعي إذ قال:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال اعلم بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي
2- مصاحبة ذوي الهمم العالية، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل)) [حسنه الألباني]، فمصاحبتهم في الله عبادة، وكفى بالصحبة الطيبة من شرف أن خلد الله ذكر كلب أصحاب الكهف لما صاحب الأخيار.
3- الثقة في قدرات النفس البشرية، والتي أودع الله فيها قوة وقدرة يجهلها الإنسان ذاته، فكيف لا يفجر هذه القوة ويشخذ الإرادة النائمة لكي يقوم بأعظم مهمة على وجه الأرض.
4- الإكثار من القراءة عن فضائل العبادة والطاعة وما أعده الله لعباده القانتين المطيعين أهل العبادة.
5- التعرف على أحوال السلف في علو هممهم في طاعة ربهم سبحانه وتعالى، وعلى وجه الخصوص صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان فأولئك هم خير القرون.
6- كتابة الأهداف التي المراد تحقيقها طوال السنة من العبادات المختلفة، ثم تقسم أعمال السنة إلى واجبات شهرية، ثم إلى أسبوعية ثم إلى يومية.
7- كتابة برنامج عملي في الطاعة يتسم بالبساطة والتدرج والشمول، فيقترح بهذا الشأن:
- المحافظة على الصلوات الخمس في المساجد.
- المحافظة على السنن الرواتب.
- صدقة أسبوعية ولو بأقل القليل.
- زيارة أسبوعية للأقارب والأهل.
- قيام ركعتين بالليل وركعة الوتر.
- قراءة ورد يومي من القرآن الكريم يبدأ بحزب ثم يزيد تدريجًا.
- حضور درس من دروس العلم أسبوعيًا للتعرف على ما يلزم المسلم في عبادته وعقيدته وسيره إلى ربه.
وختامًا نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يمن علينا بهمة عالية تقربنا إليه وتكون سبيلنا إلى الفوز برضوانه والجنة.