تعرفهم بسيماهم (2)
وماذا بعد الإيمان؟
فإن كنا قد أوصيناك من قبل أن يكون صديقك من المؤمنين المقربين من رب العالمين؛ فإننا اليوم نكمل عقد النصيحة لك بذكر صفتين من أهم صفات الصديق الصالح، إنهما العقل الراجح والخلق الرفيع.
1- عقل راجح.
عدوك ذو العقل أبقى عليك من الصاحب الجاهل الأخرق
وذو العقل يأتي جميل الأمور ويعمد للأرشد الأوفق
فصديقك ينبغي أن يكون من ذوي العقول الراجحة، التي تدرك مواطن النفع والضر، غير سفيه؛ فلا خير في صحبة الأحمق؛ لأنه يورد نفسه وغيره موارد الهلاك من حيث لا يدري، فالحماقة مرض عضال كما قيل:
لكل داء دواء يُستطَب به إلا الحماقة أعيت من يداويها
(قال لقمان: لا تعاشر الأحمق وإن كان ذا جمال، وانظر إلى السيف ما أحسن منظره)، وقال الجاحظ: لا تجالس الحمقى؛ فإنه يعلُق بك من مجالستهم من الفساد ما لا يعلق بك من مجالسة العقلاء دهرًا من الصلاح، فإن الفساد أشد التحامًا بالطباع، وقيل: العاقل يضل عقله بمصاحبة الجاهل) [محاضرات الأدباء، الأصفهاني، (1/1)].
ومن تمام العقل أن يكون صاحبك ذا هدف جليل في هذه الحياة، يعيش لرؤية ويحمل رسالة يؤمن بها ويسعى لتحقيقها بكل ما أوتي من قوة، أن يكون حقًّا من صُنَّاع الحياة.
فكمال العقل أن يسعى الإنسان لأن يترك أثرًا في هذه الدنيا، و(أن يقتحم أحد ميادين العمل والإنتاج فيكون فارسه، أن يترك بصماته في هذا الكون، وأن يُخَلِّف له أثرًا وذكرًا عطرًا جميلًا ينفعه في الدنيا والآخرة؛ إذ لكل إنسان وجود وأثر، ووجوده لا يُغنِي عن أثره، ولكن أثره يدل على قيمة وجوده.
أن يكون له دور ريادي في هذه الحياة، أن يكون فاعلًا في حركة الحياة وقيادة المستقبل، أن يكون شيئًا نافعًا في دنيا الناس، أن يضيف شيئًا جديدًا في الحياة؛ إذ مَن لم يزد شيئًا في هذه الدنيا فهو زائد عليها، أن يكون رقمًا صعبًا لا يستهان به) [حياة النور، فريد مناع، ص(179)].
2- خلق رفيع:
وليكن صاحبك حسن الخُلُق، طيب السمت، فلا تصحب من كان يغلب عليه الكذب أو الجبن أو البخل أو الغضب؛ فإن طبعك يسرق منه من حيث لا تدري، واصحب من غلب عليه التواضع والأمانة والصدق والعفة وغيرها من الأخلاق الحميدة التي ترفع صاحبها وتقربه من مولاه.
فأنت بذلك تتناغم مع أحكام الشريعة الغراء، فقد بلغ من عِظَم شأن الأخلاق في هذا الدين العظيم أن جعلها النبي صلى الله عليه وسلم الغاية التي بُعث من أجلها، وأُرسل من أجل إشاعتها وإرسائها؛ فها هو صلى الله عليه وسلميقول: (إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق)[رواه شهاب القضاعي في مسنده، (4/271)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، (45)]، ومن ثَمَّ؛ فقد كان من دعائه صلى الله عليه وسلمصباحًا ومساء قوله ـ بأبي هو وأمي ـ: (اللهم اهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت) [رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، (1290)].
واعلم أيها الحبيب أن الاستهتار في مصاحبة ذوي الأخلاق السيئة يعود على المرء بأشد الضرر، فقد لا تغني العبادات والقربات عن العبد إن ساء خلقه وفحش لسانه كما أخبرنا بذلك النبي صلى الله عليه وسلملَمَّا قال له رجل: يا رسول الله، فلانة يُذكَر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال صلى الله عليه وسلم (هي في النار)، قال: يا رسول الله، فلانة يُذكَر من قلة صيامها وصدقتها وصلاتها، وإنها تَصدَّق بالأثوار من الأقِطِّ ولا تؤذي جيرانها بلسانها، فقال: (هي في الجنة)[رواه أحمد في مسنده، (9298)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، (2560)].
فالمرأة الأولى لم تغني عنها صلاتها ولا قيامها شيئًا يوم القيامة لسوء خلقها، والثانية نفعها حسن الخلق حين قصر بها العمل، فلا تتهاون في مخالطة ذوي الأخلاق السيئة واستمع إلى أسلافك يحذروك من مصاحبة أمثال هؤلاء.
روى سعيد بن المسيب عن عمر t قوله: (عليك بإخوان الصدق تعش في أكنافهم؛ فإنهم زينة في الرخاء، وعُدة في البلاء، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يجيئك ما يغلبك منه، واعتزل عدوك، واحذر صديقك إلا الأمين من القوم، ولا أمين إلا من خشي الله، فلا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره، ولا تطلعه على سرِّك، واستشر في أمرك الذين يخشون الله تعالى)[إحياء علوم الدين، الغزالي، (2/19)].
وقال الفضيل بن عياض: (إذا خالطت فخالط حسن الخُلُق؛ فإنه لا يدعو إلا إلى خير، وصاحبه منه في راحة، ولا تخالط سيء الخُلُق؛ فإنه لا يدعو إلا إلى شر، وصاحبه منه في عناء، ولئِن يصحبني فاجر حسن الخُلُق أحب إليَّ من أن يصحبني قارئ سيء الخُلُق، إن الفاسق إذا كان حسن الخُلُق عاش بعقله وخف على الناس وأحبوه، وإن العابد إذا كان سيء الخُلُق ثقل على الناس ومقتوه) [روضة العقلاء، أبو حاتم ابن حبان البسيتي، ص(64)].
أحب الفتى ينفي الفواحش سمعه كأن به عن كل فاحشة وقرًا
سليم دواعي الصدر لا باسطًا أذى ولا مانعًا خيرًا ولا قائلًا هجرًا
أولئك آبائي:
وتأمل في أخلاق قدواتنا مع أصدقائهم، فعن ميمون بن مهران قال: سمعت ابن عباس tيقول: (ما بلغني عن أخ مكروه قط إلا أنزلته أحد ثلاث منازل: إن كان فوقي عرفت له قدره، وإن كان نظيري تفضلت عليه، وإن كان دوني لم أجهل به) [صفة الصفوة، ابن الجوزي، (1/754)].
وقال مجاهد بن جبير: (لا تحد النظر إلى أخيك، ولا تسأل من أين جئت؟ وأين تذهب؟) [صفة الصفوة، ابن الجوزي، (2/209)].
وقال عمر بن حفص: (قال لي عمر بن عبد العزيز t: إذا سمعت كلمة من امرئ مسلم؛ فلا تحملها على شيء من الشر ما وجدتَ لها محملًا من الخير) [تاريخ الخلفاء، السيوطي، ص(323)].
وقال بكر بن محمد بن عبد الله: (إذا رأيت إخوانك يكرمونك ويعظمونك فقل: هذا فضل أخذوا به، وإذا رأيت منهم تقصيرًا فقل هذا ذنب أحدثته) [صفة الصفوة، ابن الجوزي، (3/248)].
وقال عبد الله بن زيد الجرمي: (إذا بلغك شيء تكرهه فالتمس له العذر جهدك، فإن لم تجد له عذرًا فقل في نفسك: لعل لأخي عذرًا لا أعلمه) [صفة الصفوة، ابن الجوزي، (3/238)].
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع