أول ليلة في القبر
يا لضعفك وقد طرحتك السكرات على الفراش، واجتمع حولك الأهل والأحباب، يبكون، يجهشون، وقد أتوا بالطبيب، فما من حيلة يرتجى بها طول عمرك، ولا سبيل في مد أجلك، قد ألمت بك الآلام والأسقام، وبدا لك الموت كشوك ينتزع من جسدك يأخذ بكل عرق ولحم، فوا أختاه من سكرة قد استجار بالله منها سيد المرسلين عند موته إذ يقول: (لا إله إلا الله، إن للموت سكرات) [رواه البخاري، (4449)].
لقد أتاك موعود الله: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185]، في تلك اللحظات إما تبشرين بالجنان، وإما تصعقين بمعرفة مصيرك المشئوم إلى الحميم والزقوم، لقد أتاك ملك الموت لقبض روحك فهل ستسيل روحك كما تسيل القطرة من في السقاء، أم أنه سينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول.
واستَخْرَجَ الرُّوحَ مِني في تَغَرْغُرِها وصـَارَ رِيقي مَريرًا حِينَ غَرْغَرَني
وَغَمَّضُوني وَراحَ الكُلُّ وانْصَرَفوا بَعْدَ الإِياسِ وَجَدُّوا في شِرَا الكَفَنِ
إنها ثيابك الجديدة يا من كنت تلبسين الحرير وتتقلبين في الزينة والملابس الفاخرة، كفن يغطيك من هامتك إلى أخمص قدميك، سيكون حجابك وسترك، قماش أبيض تستنكفين عن النظر إليه في الحياة الدنيا، فها أنت ذا تتخلين عن التماس الموضات والتصميمات لثيابك، ليس لك إلا هذا الكفن.
ها أنت تغادرين بيتك وأهلك، تلاحقك الصرخات، ويتبعك الأنين والعويل والبكاء، لقد فارقتِ الأهل والأحباب، الكل ينعاك كما كنت تنعين، الكل يبكيك كما كنت تبكين، واشتد البكاء والصراخ وأنت تتلقفك أيدي الرجال يضعونك في النعش، والجميع من الشرفات يلقون عليك نظرات الوداع، ويبكون شبابًا ضاع في الريعان.
لقد وضعوك أمام المحراب يصلون عليك، ذلك المشهد الذي طالما سمعت عنه، ينادي المنادي أن مات فلان، وماتت فلانة، وكلهم جلس في ذات الموضع، وكبر الناس عليهم أربعًا مثلك اليوم، ولكن هل كان موتهم لك واعظًا؟ هل كان النداء لك مذكرًا؟ هل أقبلت أم أعرضت؟ هل انزجرت أم تماديت؟
إنهم يحملونك الآن على الأكتاف، إلى أين؟ إلى دارك ومقامك إلى يوم الدين، إلى حفرتك التي فيها تنعمين أو تعذبين، لقد أتاك من قول الحبيب مقالة صدق: (إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم ، فإن كانت صالحة قالت قدمونى . وإن كانت غير صالحة قالت يا ويلها أين يذهبون بها يسمع صوتها كل شىء إلا الإنسان ، ولو سمعه صعق) [رواه البخاري، (1314)].
فليت شعري ما تقولين؟ أتستحثين القوم على المضي بك أم تصرخين؟
رب مذكور لقوم غاب عنهم فنسوه
وإذا أفنى سنيه المرء أفنتهسنوه
وكأن المرء قد يبكي عليه أقربوه
وكأن القوم قد قاموافقالوا أدركوه
سائلوه كلِّموه حركوه لقنوه
حرّفوهوجّهوه مدّدوه غمضوه
عجّلوه لرحيلٍ عجّلوا لاتحبسوه
ارفعوه غسّلوه كفنوه حنّطوه
فإذا ما لف فيالأكفان قالوا فاحملوه
أخرجوه .. فوق أعواد المنايا شيّعوه
فإذاصلّوا عليه قيل هاتوا واقبروه
فإذا ما استودعوه الأرض فرداتركوه
خلفوه .. تحت رمسٍ أوقروه أثقلوه.
نعم إنهم يودعونك حفرتك، ويسبلون من أعينهم الدمع على جثمانك، ويكرمونك بأكوام من التراب تهال على جسدك، فتستقبلين أول ليلة في القبر.
فأين الجسد الذي كان يطأ التراب؟ ها هو اليوم تحت أكوام التراب.
أين المرح على ظهر الأرض؟ ها هو الوجل والخوف في باطن الأرض.
أين صدى الضحكات؟ لم يعد يسمع سوى صدى الخفقات.
فأنت الآن قد عادت روح إلى جسدك، وسمعتي قرع نعال القوم حين انصرفوا عنك وتركوك وحيدة، نعم لقد صرت وحيدة بلا أب شفيق ولا أم رحيمة.
في ظلمة القبر لا أم هناك ولا أب شفيق ولا أخ يؤنسني
أنت أيتها الرقيقة، يا ضعيفة القلب والجأش، يا من كنت تفرين من الظلمة، تجلسين الليلة وحيدة فريدة في دار ليس لك فيها أنيس ولا جليس؟
فارقت موضع مرقدي يومًا ففارقني السكون
القبر أول ليلة باللـه قل لي ما يكـون
تخيلي نفسك وأنت تعاد روحك إلى جسدك وتجدين نفسك في هذا المكان المظلم الموحش، ليت شعري كيف يستقبلك قبرك؟ بضمة حانية؟ أم بضمة تعصف بكيانك، وتخلط عظامك وتختلف على إثرها ضلوعك؟
ما هذا الذي تراه عيناك؟ ما ذلك الصوت الذي هو كالرعد؟ وما هذا الضوء الذي يبدو كالبرق، إنها أصوات ملكين، والبرق هو أعينهما، لقد أتاك منكر ونكير، لطالما استمعت إلى المواعظ تحذر ساعة لقاء الملكين، لقد جاءا للحساب فما أعددت ليوم الحساب، ماذا أعددت لأول ليلة تغيبين فيها عن أهلك، عن الدنيا، أول ليلة تقضينها في القبر.
أجلساك وانتهراك ونطقا بالسؤال: من ربك، ما دينك، من نبيك؟ فهل نقول واطرباه لك إذ تجيبين ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد، أم نقول واحزناه إذ تتلعثمين ولا تجيبين؟
وتفتح لك بعدها طاقة فإما ترين خلالها قصورك ومقامك في الجنان، وإما ترين منها مقرك ومستقرك في دار الجحيم.
فماذا أعددت لأول ليلة في قبرك؟ (تلك الليلة التي بكى منها الأنبياء والعلماء، تلك الليلة التي تأثر منها الحكماء والبلغاء، تلك الليلة التي تأوه منها الشعراء والأدباء، كيف لا وهي علامة السعادة أو الشقاء) [الأماني والمنون، إبراهيم الدويش، ص(50)].
يا من بدنياه انشغل وغره طول الأمل
الموت يأتي بغتـة والقبر صندوق العمل
ماذا أعددتِ لأول منازل الآخرة، المنزل الذي أبكى عثمان رضي الله عنه، ذلك الحيي الزاهد الذي وقف على القبر فبكى حتى بل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي من هذا؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن القبر أول منازل الآخرة . فإن نجا منه فما بعده أيسر منه . وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه) [رواه ابن ماجه، (4267)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، (4267)].
إنه الواعظ الصامت، لكنه ينطق في حس المؤمن، تخيلي (أن ترابًا يتكلم، بل وبلسان لا تنقصه البلاغة والفصاحة، إنه ذلك الواعظ الصامت يخرج من صمته، يوم أن تنزلي في حفرتك، وبعد أن يتركوك فيه وحيدة فريدة، تعانين من وحشة الظلمة، إذا بك تسمعين صوتًا يناديك: ويحك ألي قد حذرتيني وحذرت ضيقي وظلمتي ونتني وهولي ودودي، هذا ما أعددت لك فماذا أعددت لي؟) [الزهد لابن المبارك، ص(41)]) [هزة الإيمان، فريد مناع، ص(79)].
لا اتعظ من لم يتعظ بالقبر، ولذا كان الحبيب صلى الله عليه وسلم يقول مشيرًا إلى القبر: (لمثل هذا فأعدوا) [رواه ابن ماجه، (4335)، وحسنه الالباني في صحيح سنن ابن ماجه، (4195)].
فاجعلي عدتك وزادك لهذه الليلة عملًا صالحًا إثر أوبة وتوبة إلى الله تعالى، فالليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر، والعمر مهما طال فلابد من دخول القبر، ومن القبور فخذه العظة، ومن أهل القبول فالتمسي الموعظة.
أتيت القبور فناديتها فأين المعظم والمحتقر
وأين المدل بسلطانه وأين المزكي إذا ما افتخر
تفانوا جميعًا فما مخبر وماتوا جميعًا ومات الخبر
تروح وتغدو بنات الثرى فتمحو محاسن تلك الصور
فيا سائلي عن أناس قد مضوا أما لك فيما ترى معتبر